بدأت في 2011 أول عمل تطوعي منتظم لي في مشروع إنسان التابع لمؤسسة صناع الحياة. يعمل مشروع إنسان على حل أزمة العشوئيات في مصر. بدأ بمشكلة الجانب الاقتصادي مع التسرب من التعليم فقط في البداية. حتى تطور لشمل المنطقة العشوائية بكل جوانبها الأساسية.

ينقسم المشروع في الإسكندرية إلى فرق, كل فريق مسئول عن منطقة. في 2011, كان المشروع يعمل في 13 منطقة عشوائية, أي كان لدينا 13 فريق. وكل فريق ينقسم إلى لجان ليكمل دوره في احتواء مشاكل المنطقة, كنت في اللجنة التعليمية. فكان لدينا مركز ننظم به فصولنا للأطفال في المنطقة. ويتم قبول عدد من الطلاب في بداية كل ثلاثة شهور (موسم) بالتقريب. في 2011, كان لكل طفل 9 ساعات مقسمة على أكثر من حصة للتكميلي (العربي والحساب) وحصة أشبال القرءان. تطور الأمر بعد 2011 عندما زاد عدد المدرسين في الفريق, فتم تفعيل حصة نادي علوم, وتنمية ذاتية وتحفيظ قرءان. وكان الأمر يختلف من فريق لأخر قليلا بسبب عدد المدرسين المتطوعين وسماحية المركز المؤجر في الغالب.

مدرس التكميلي كان يختلف عن مدرس أشبال القرءان. كنا نعمل على أن يكون مدرس التكميلي مسئول بشكل أساسي عن عدد قليل من الطلبة, في الغالب كانوا في حدود ست طلاب. فهو مسئول عن تعليمهم أساسيات القراءة والكتابة والحساب. كان يمكنك أن تختار الحساب فقط, أو اللغة العربية فقط. ولكن إذا كانت لديك المهارة المطلوبة للاساسيات في الاثنين, كان يفضل أن تتطوع بهم سويا. ليس ذلك فقط لقلة عدد المتطوعين ولكن لنتأكد أن هذا المدرس له تأثير وارتباط كامل بالطلبة معه. فكان من أهدافنا الأساسية هي التربية وتعليم الدين. فكنت أتابع الصلاة, القرءان, السلوكيات الخاطئة, العمل الجماعي, اكتشاف مواهبهم, وكل ذلك مع الطلبة المسئولة عنهم. كانوا في نهاية الأمر, أقرب في الوصف إلى أبنائي عن طلابي. كان التعليم أساسه تحويل العلم لمهارة أيضا, سأوضح هذه النقطة في مقالات مستقبلية.

وكنت وأنا أعلمهم الأبجدية, أكن مثلما وصف أحمد الخيري العمري في روايته ألواح ودسر على لسان العم نوح:

“كان الدرس على وشك الإنتهاء … سمعنا صوت نوح يقول للأولاد :
تذكروا دوما أننا نتعلم الأبجدية من أجل ان نقول شيئا مختلفا عما يقوله الآخرون …من أجل أن نقول جملة أجمل … كلمة أفضل… من أجل أن نصل لمعنى أكمل …إننا نتعلم الأبجدية لا لنردد ما قاله الآخرون .. و لكن كي نقول الصواب …والصواب فقط “

أحمد خيري العمري – ألواح ودسر

أما أشبال القرءان, التي تم تغيرها فيما بعد لاسم (أسوة). فلم تكن حصة مخصصة للقرءان بالمرة. لكنها ببساطة حصة لتعليم الأخلاقيات فقط. حصة أسبوعية بها خمسة وعشرون طالب. تكون خطة هذه الحصة على 6 شهور. وتكون بتحديد 4-6 أخلاقيات مهم زرعهم في الطفل.  وتكون صفات محددة. ثم يتم زرعها بالأطفال عن طريقة حصة أشبال القرءان, على مدار شهر لشهر ونصف. وفي خلال هذه الفترة, يتم العمل على قصص, لعب, مسرحيات قصيرة (أسكتش) والكثير من الأنشطة المبهجة لإيصال الخلق للطفل. ويتم تقييم الأطفال في خلال هذه الفترة, ويكون في نهاية الخلق, مكافأة للافضل استجابة. اتذكر مرة كانت المكافأة هي نزهة إلى المنتزة مع باقي المتميزين من باقي الفرق في الاسكندرية.

كان لدينا رؤية واضحة, عن أهم عامل في بناء الإنسان هو شخصيته. فكنا نعمل على بناءها وزرع الأخلاق والقيم بهم. إذا تعلم الطفل القراءة والكتابة فقط, وكان لديه الشغف والخُلق وقوة الشخصية, سيستمر ويعلو ليكون خيرا مما نظن. أما إذا تعلم كل شيء من العلوم المادية, وفقد الشغف والخلق وقوة الشخصية, فحتى إن نجح, سيصبح نقمة على نفسه والمجتمع. وكان حتما هذا سيغير المنطقة بالكامل. في خلال فترة تدريسي تغيير الأطفال بالكامل, حتى في مظهرهم الخارجي وأهتمامهم بالنظافة وحسن الكلام. وكنا موضع ثقة لأهلهم, لأن كل ما نفعل كان يؤثر على تعاملهم معهم. ورغم أنه لم نصل إلى الأهداف المرجوة كاملة للكثير من التحديات, إلا أنها ستظل من أفضل التجارب والمشروعات التي شاركت فيها في حياتي. فهي لم تغير المنطقة بأطفالها فقط, بل غيرتني معها.

أثرت هذه المنهجية في التعامل مع التربية والتعليم في إنسان في رؤيتي للتربية والمجتمع. فأصبح من الضروري تحديد الأخلاقيات بشكل واضح ومرتب في تربية طفلك. اعتمد الجيل السابق على أن الأخلاقيات تنتقل بالفطرة, ولكن التجربة أثبت أن مثل هذا الفهم يولد جيل مهزوز أخلاقيا, خصوصا عندها ينافي الواقع الفطرة. أن أردت أن تعلم أبنك الأمانة مثلا, يجب أن توفر له أمثلة وأساليب لزرع هذا فيه. إذا تركته للواقع, فستعلم ما بالواقع. ويجب علينا فهم أهمية القيم بالطفل.

قرأت مقالة بعنوان (المدرسة تربية مثل التعليم) لإنجي فودة بكتاب (من أوروبا البلد). تحدثت الكاتبة عن مدرسة بنتها التي تهتم بإنشاء جيل قوي الشخصية ومعتدل مثلما هو متعلم وموهوب. ثم قامت بعرض القائمة الأساسية التي ينمونها ويرونها أساسية لبناء المجتمع. وهي كما يلي:

  1. المسئولية.
  2. الرعاية والاهتمام بالآخرين.
  3. الاحترام.
  4. الاستقامة.
  5. اللطف والإحسان.
  6. المثابرة.
  7. الأمانة.
  8. العدل.

وترسل المدرسة هذه القائمة المختارة (التي ذكرتني بالأخلاقيات المختارة في أشبال القرءان بإنسان) بشرحها مبسطا حتى يستوعبه الأطفال ويساعد الأهل في التقييم والتشجيع وفي نهاية المرحلة يرسلون النتيجة.

ويكون شرح كل صفة بوضوح للمهام, فمثلا: أنت تعتبر مسئولا حين:

  1. تصبح مسئولا عن نصرفاتك وتقبل المحاسبة عليها.
  2. حين تلتزم بمهامك.
  3. حين تتخذ اختيارات جيدة.
  4. حيت تخطط للمستقبل
  5. حين تكون منظما.
  6. حين تصبح شخصا يُعتمد عليه.
  7. حين تظهر التحكم في الذات والالتزام الذاتي.
  8. حين تقرر أولوياتك.

وتشرح كل صفة بهذه الطريقة. بينما أقرأ, تذكرت  إنسان وذكرياته, ومقالاتي السابقة عن جوبات عن الأخلاقيات المرجوة في أطفالي في المستقبل. ظهرت لي أهمية وضوح الأفكار وطرق التقييم أكثر. فبعض الناس إذا سألتهم عن ما الأخلاقيات التي يردون زرعها بأطفالهم, يقولون: “يبقى ولد كويس” فقط! وهذا الوصف لا يشمل فقط الكثير من المعاني, ولكنه غير الواضح المضمون وقد يختلف على تفسيره الكثير, وليس هناك طريقة واضحة للتقييم.

وهذا مطلوب في العموم في أي خطة, وضوح الرؤية والأفكار ووضع طريقة للتطبيق والتقييم مع فترة مانية محددة. فتخيل أن انشغل الناس في تخطيط دورهم في التربية بهذه الطريقة. فيحددوا ما الأخلاقيات وكيف سيوصلونها لهم في كل عمر. كذلك في الجانب الثقافي, متى يقرأ؟ ماذا يقرأ؟ متى يكتب؟ وهكذا. كذلك مع الدين, متع سيعلموهم الصلاة؟ متى الصوم؟ وكيف سيقيمون نجاهم في توصيل الدين وقيمه؟ الكثير من الأسئلة التي يتركها الناس الآن لتخضع لقوانين الواقع والطبيعة. فمن عيوب التعليم النظامي, أنه أوهم الأهل بأنه أخد مهمة التخطيط والاستعداد للتربية والتعليم عنهم.

ربما تحملت التفكير في هذا الأمر أكثر من الأخرين لأنني أنتوي التعليم المنزلي لأطفالي, ولكن إذا نظرت لها برؤية أوسع, مثل هذه المنهجية نحتاجها حتى في تربية أنفسنا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s