دائما الشعلة اﻷولى للتغير, تكون طاقة زائدة عن المعتاد لدينا. ربما قرأنا شيئا, فكرنا بشيء أو مجرد شعرنا به حتى أقتنعنا بحتمية التغيير وأتخذنا الخطوات اﻷولى بدون الشعور بكم الضغوط الواقعية عليه, فقط ﻷننا أرادنا ذلك وأعننا الله. فلي قناعة خاصة بأن “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” قد تعني هذه اللحظة, عند هذه الشعلة, يهيئ الله لك الكون للتغير ويغير شيء ما بروحك, يعطيك القدرة على أن تكون إنسان جديد كما يدعي البعض.

كتبت سابقا عن بداية التغيير في “التصور” ثم عن مراحل التغيير وقضية التعود. هذه المرة, الحديث عن أحدى أهم المؤثرات في التغيير وهي طاقتك الشخصية. هي في البداية وفي كثير من اﻷحيان, هي العامل الوحيد الذي يدعوك للتغير. ولكن ببساطة غيابها هو أقوى عامل يمكنه أن يلغي فكرة التغيير بالمرة ويعيدك ﻷسوء مما كنت عليه في لحظة! لا أدري كيف تنتج هذه الطاقة, بل “الروح”…ففي يوم وليلة تقتنع بأمكانية تغيير كل شيء, وتغيير نفسك وبقدرتك وتسطيع رؤية نجاحك بعد عام من ههنا. حتى تشعر بأنك لن تفقد هذه البصيرة مرة أخرى.

وكلما كان هذا النوع من التغيير ﻷول مرة, كلما كانت هذه الطاقة أقوى ومتفائلة بما قد يحدث أكثر. فمثلا, دائما ما تجد هذا النوع من الطلبة في مصر. الذي يتشجع في بداية عامه الدراسي ويخطط ﻷن يكون هذا العام مختلف وأنه سيحقق ما لم يحققه من قبل. يعمل على مرحلة التصور بمعرفة لماذا وكيف يريد هذا, ثم يضع خطة واضحة ليعمل على مراحل التغيير والتعود..فمثلا يقرر أنه سيذاكر عدد ساعات معين, أنه سيحضر كل المحاضرات, سيلخص كل شيء وليس مجرد كلام, بل خطط واضحة بمواعيد وأهداف. بينما هو يخطط لكل هذا, يكون الدافع اﻷكبر هو الطاقة التي تملئه بنشاط وقدرة غير عادية ليكون ما يريد مهما كان الواقع.

ثم ماذا يحدث؟ يمشي على الخطة أسبوع أسبوعين..ثم فجاءة, يجد نفسه في حالة نفسية سيئة بلا سبب. فيستيقظ بلا رغبة في الحركة ولا متابعة أي شيء. الخطة التي كانت هنا لتعينه, أصبحت عبئ عليه. فهو يشعر أنها ألزامات يفشل في تحقيقها, وليست كمساعدة على تجنب التشتيت كما يجب أن يكون.  كل اﻷمور يصبح لها ثقل. ويزيد هذا الثقل كلما تكاسل وبعد عن الخطة ..واﻷسوء بعده عن الروح. فيبدأ يتوغل فيه قناعة, أنه ليس عنده اﻹرادة الكافية على أي حال. وأنها أضعف من أن يتخذ مثل هذا التغير.

عادة, في ما أراه, معظم الناس يعودون لما كانوا عليه في هذه اللحظة. بل للأسف أسوء مما كانوا عليه. فبعد ما كانوا وصلوا لمرحلة السعادة بالتغيير المؤقت وشعروا بأن الحياة الجديدة أكثر منطقية..اﻵن أصبحت في ذهنهم وكأنها كانت فترة حرمان من طبيعة شخصيتهم وفطرتهم. فكأنما يعوضون فترة الحرمان. وسبب من أسباب هذا اﻷحساس, يكون الثقل الناتح في فترة فقد الطاقة واﻷحساس بالعجز.

كنت أسمع من قبل, أن مثل هذا الفتور يكون بسبب علو الطاقة قبل هذا الفتور. وأنه يجب أن نقتصد في رغبتنا في التغيير. ولكن أختلف معهم, ما يتكلمون عنه هو الهوائية في اﻷختيار. وهو يكون عندما يكون اﻹنسان يزيد شغفه كثيرا بأي شيء, ثم يقل ليختفي بل وينقلب بضده دائما في كل الاختيارات. أكره هذه الصفة..ولكن أظن أن الهوائية ناتجة عن فقدان التصور الذي حاولت وصفه مسبقا وعدم نضج وربما ضعف إرادة. ولكن, أرى أنه ببساطة لو كنا بدأنا بطاقة قليلة..فنحن نسقط كذلك في الفتور, فقط يكون شعورنا به أقل, بما أن اﻷختلاف في الروح ليس بكبير. ولكن ربما اﻷمر كما وصفوا.

أحيانا كنت أظن أنه ربما نتيجة ذنب. ففي مثال الفجر, كان كلما تساهلت في ذنب نمت عن الفجر. ولا أدري كيف يحدث هذا دائما. ولكنه يحدث. أو عندما أظن أن نجاحي في التغيير هو نجاح شخصي وقدرة شخصية..وأنسى أن لولا الله ما حدث شيء. فيكون الفتور درس قاسي لمعرفة نعمة الله.

وفي يوم من اﻷيام مررت بمثل ذلك مع المذاكرة خصوصا, وكنت أخذ درس فيزياء مع مدرس مشهور (إسلام خراز)..فكنت أعتذر عن سوء مستواي في أمتحان + عدم القيام بالواجبات أكثر من مرة. فسألني يومها ما المشكلة, فأوضحت ببساطة أنه ليس عندي طاقة لفعل أي شيء. نصحني بأخذ أجازة حتى يقل الشعور بالثقل. فأخبرته أنه في الواقع, أنا في أجازة من كل الواجبات والمذاكر منذ 3 أسابيع, ولكن اﻷمر لا يتحسن ويزيد الثقل بما أن المهام تزيد على أي حال. وقتها نبهني لشيء, لم أكن ﻷعرف أن الله سيجريه على لسانه. ربما نسيت الفيزياء وكل ما علمني إلا هذه. قال لي: ربما كنتي تفعلين خير ما, وتوقفتي عنه ظنا أن توقفك عنه سيعطيكِ المزيد من الوقت للمذاكرة مثل زملائك, وسكت. في الواقع في هذه الفترة تحديدا, كنت توقفت عن تلاوة ورد القرءان بانتظام. ﻷن ببساطة, أعتقدت أنه ربما كان أستغلال وقت الفجر في المذاكرة أفضل ﻷني أكون بكامل نشاطي ويكون الوقت مليء بالبركة..بينما يمكنني تأجيل تلاوة الورد في باقي اليوم..والذي نادرا ما كنت أنجح في تلاوته خلال هذه الخطة الجديدة.وعندما عدت للتلاوة فجرا, رجعت لي الروح المطلوبة في التغيير. فأصبح لدي قناعة من يومها, أن ربما فقدت روح في شيء والبركة, بسبب التخلي عن شيء أخر.

فأشعر بأن توقفي عن ورد القرءان السبب, أو توقفي عن عمل تطوعي..وغيرها من اﻷشياء  المهم وودها في حياتي. وتعلمت أن كثرة هذه اﻷشياء والدوام عليها تزيد البركة..ولكن مازلت أعلم أن هذا ليس السبب الوحيد! وأنها مثل القرض الحسن, ترجع إليك بأضعاف ما أعطيتها.

ولكن في بعض اﻷحيان, يكون الفتور مع القرءان ذاته! أو العمل التطوعي أو أي كان هذا ما أخترت أن أبذل فيه زكاة الوقت.

ورأيت أن سبب بحثي عن خطأ ما قمت به, هو تخيلي أن هذا السقوط, بسبب أنني لم أخلق لهذا التغيير وأن من المؤكد أنني فعلت شيء ما خطأ كعادتي.

ولكن بما أن معظم تغييراتي أستمرت بالسنين  (منها ما أكمل 8 سنين) عرفت أن ببساطة, هذا اﻷمر يحدث وسيحدث مرارا وتكرارا وفي كل أنواع التغيير. وربما بلا خطأ من عندي. ربما هي النفس تحاول استرداد عادتها السابقة, ربما هي شهوة تمر. ربما هو مجرد أبتلاء لنرى أنصبر أم نجزع. ربما هي مجرد فطرة بشرية, أو ليس مطلوب مننا اﻷصطبار على الصلاة حتى؟. ربما هذا تقلب القلب, اللذي هو بين يدي الرحمان.

فشلت خلال السنوات في تحديد متى سيحدث هذا الفتور وقررت تقبلي لهذا الفشل, بما أنه مستحيل أن أعرف هذا. وعندي قانون شخصي بأن هناك الكثير ما لست مقتنعة بحدوثه, ولكن عدم قناعتي لا تلغي وجوده. وبما أني وصلت لهذه القناعة, بدأت أشغل نفسي بمرحلة أخرى وهي كيف سأتعامل معه. لا يهم كيف يحدث ما دمت لا أفهم أكثر من ذلك, ففي كل اﻷحوال لا طاقة لي بمنعه ربنا تأخيره والحذر منه فقط بفهم الاحتمالات المسببة. ولكن ما يهم هو كيف سأتعامل معه.

بسبب الروح والطاقة العالية في البداية, نغفل دائما عن التخطيط لمثل هذه اللحظات. بل ونرفض التفكير بواقعية أحيانا بسببها. ونظن أنه عندما نسقط لدينا من الرؤية ما سيجعلنا نصمد. تعلمت من سقطاتي أن أكتب خطة السقوط, قبل الصعود. فلم تجد لنفسك حلول وخطط بديلة تدرب عليها خلال الصعود, فلم تتمالك أو تتحكم باﻷمور عندما تسقط.

عملت أن من أقوى أسباب الفتور لي, وربنا لك..هو أختفاء عامل التحدي! التحدي رغم أنه مرهق, إلا أنه يضيف متعة للتغير بل هو ما يعطيق قدرة لتشعر بأنك تتغير. وكما يقول ابن القيم:

“من استطال الطريق ضعف مشيه”

وفي الغالب, عندما تتغير, تتغير في أمور تطلب اﻷصطبار عليها حتى الموت. فيكون التحدي هو الثبات عليها بلا ملل ولا كلل بدون الوصل السريع في معظم اﻷحيان. يظهر مثل ذلك بشكل مادي عندما يحاول أحدهم خسارة الوزن الزائد (مشكلة شائعة بسبب خلل في مجتمعنا). في البداية يتحمس كالمعتاد, يتابع مع مختص أو بدونه في الحالتين في الغالب له خطة جيدة نوعا ما. من الممكن أن يكون لديه خلل في التصور, بما أن في الغالب أهدافه ليست طويلة المدى ولا فلسفية بالشكل الذي يرضيني..ولكن يبقى هذا تصوره وحقه الخاص. ثم ما أن يبدأ ويفقد الوزن بالفعل..ولكن في خلال أسابيع, يفقد قليل القليل..ففجاءة يكون سبب أحباطه..أنه على أي حال..الطريق طويل, وهو لا يظن أنه سيصمد أكثر من هذا..فيرجع ويفشل في التغير. أو لعله وصل, وفقد الوزن كله ووصل للوزن المثالي. تجد أكثرهم يعودوا مرة أخرى بسبب أن الاحفاظ على النتيجة للابد, غير واقعي لهم..هو طريق طويل لا يطيقه إلا حليم. بينما الحليم, ومن يتغلب على هذه اللحظات, يأخذه هذا المستوى إلى تغير أكبر وأكبر.

فمهم بينما تتغير, تضع في خطتك ما يشعرك بأن في الواقع الطريق ليس بهذا الطول, واﻷمر به تحدي ولكن ليس بالتحدي العال جدا الذي يحبطك كذلك. ولكن بهذا التحدي الذي يأخذك إلى درجة أعلى..ويعلو عنك قليلا كلما علوت.

فمثلا في أمر متابعة اﻷمور الصحية, في البداية تنتهي عن المكروهات في اﻷكل, ثم تلتزم بما يجب, ثم تحسن منه, ثم تعلب رياضة, ثم..وثم..دائما يكون لك في خطتك ما يحفزك.

أمر أخر يكون في فترة الفتور, وهو اﻷحساس بالحاجة إلى راحة. التحدي مطلوب, ولكن مرهق..أحيانا نحتاج لراحة فعليا. نحتاج لنستمتع بشعورنا بالفشل ..وربما العبث. وهنا يجب أعطاء نفسك في الخطة ..خطة بديلة أو أسهل تتبعها في هذه اللحظات, ربما ليست هي اﻷفضل ولكنها جيدة لمرور بهذه المرحلة بسلام. مثل الرسام الذي أعتاد أن يبيع رسوماته؟..ماذا يفعل أن فقد القدرة عن الرسم؟ ..ببساطة يوقف الرسم من أجل البيع..ويرسم “عبثا” لذاته..ربما يتوقف قليلا..ربما لا يبيع لمدة طويلة. ولكنه في النهاية لن يفقد فنه. ولكن في حالة الضغط المستمر في مرحلة الفتور, نكره ما كنا قد أحببناه. فقليلا من العبث مطلوب أحيانا.

وكذلك هوامش الخطة ..الخطط البديلة ..المساحات الزائدة في هذه اﻷوقات..أريد توازن في أكلي, ولكن ماذا لو شعرت باكتئاب فعلي بسبب الفتور وبسبب قناعات فاسدة سابقة, أرى أن السعادة ستكون عن طريق سكريات. يجب أن  أعترف أني سأمر بمثل هذا, ربما أقلله, ولكن لا أضمن منعه. في أيام مثل هذا, أخطط أنه لا بأس أن أكلت عسل وفاكهة فوق المعتاد وفوق المعدل الصحي وأن كان بشكل مضر. ومن الجيد أيضا أكتشاف أكلات صحية تمتعني حتى أقلل من هذا الفتور. ولكن لا يكون دائما الحل بالمنع التام.

وعلى كل حال أنت تحاول أنت تزيد من اﻷبواب التي تمنعك عن الرجوع. باب وراء باب, حتى تمل و تفشل عن السقوط حتى. أو تصبح في هذه الفترة مثل السيارة. فأن توقف البنزين عنك (بلا فرامل 🙂 ), لا تتوقف السيارة إلا بعد مدة. فأنت تحاول أن تطيل هذه المدة, حتى تملك القدرة لاعادة البنزين, أي الطاقة.

على أي حال, الهوامش والخطط البديلة تختلف من خطة ﻷخرى. بعض المشاكل مشتركة ولكن سيبقى اﻷمر كله في مرحلة التصور ووضع رؤية للتغير والمرونة في تغيير الخطة بشكل أنسب مع الوقت. وبمناسبة هذا اﻷمر, من أكثر اﻷشياء الذي أحبها في فقهنا اﻹسلامي تقسيمات أو مراتب اﻷعمال بين فرض عين, فرض كفاية, واجب, مستحب, مباح, مكروه, حرام..وأحب دائما القراءة في تفاصيل مرتبة اﻷعمال. غير أن هذا يساعدني كثيرا في ترتيب اﻷولويات وأعطاء اﻷمور اﻷهم مساحات أهم. ولكن يساعدني أيضا في معرفة الهوامش. فأنت تعرف كيف يجب أن تكون, كيف يكون التخفيف إذا ستبتعد قليلا..كيف الاجتناء وكل التفاصيل بشكل يجعل من هذا الدين يحتويني كثيرا.

كنت قد كتابة مقالة من سنتين “حينما تسقط” ولكن بالانجليزية. كانت مجموعة أفكار لما يجب العودة إليه ومتابعته كنقاط في حالة السقوط في فترة الفتور. على ما أظن, إذا كنت تعاني من الفتور كثيرا, أو تغلب الفتور عليك يجب أن تملك مثل هذه القائمة التي تكتبها بتفسك وأنت تخطط لتغيرك. تذكر, نحن في عالم يستحق أن نتغير عنه.

الصورة المرفقة ﻷمجد رسمي Amjad Rasmi
Advertisements

2 thoughts on “الطاقة والتغيير

  1. “عبثا” لذاته..ربنا يتوقف قليلا..ربنا لا يبيع لمدة طويلة. ولكنه في النه
    احببت ان لا أترك هذا الخطأ فى هذا المقال الجميل

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s