هذه مدونة شخصية، قبل أن تكون أي شيءٍ آخر، فمن الطبيعي أن تَرِد ببعض تدويناتها أفكارٌ متعارضةٌ، فهي ليست لتوجيه أحدٍ، وليست مبنية على أسس علميةٍ، بل هي مجرّد أفكار، تراودني أحيانًا. بل ومن المحتمل أن أغيّر رأيي في موضوعها لاحقًا، فهي دائمًا مرتبطة بتاريخ كتابتها.

بدأت فكرة السفر دون رجعةٍ في وقت متأخرٍ جدًا من عمري، في أواخر العام 2013 أو أوائل 2014 بسبب ضغط اﻷحداث السياسية في مصر وأدراكها.  أصبحتُ أكرهُ رائحة هذه البلاد، ولا أقصد رائحتها بالمعنى الحرفيّ، والتي أصبحت قبيحةُ جدًا نتيجةَ الإهمال – بل أقصد رائحة الظُلم. كنت أشمها في كل مكان، وشعرتُ بأن الظلم قد ضيّق علينا سِعةَ هذه الأرض، وكان الحال كما وصفت سورة التوبة:”حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه” . كنت أستشعر ذلك الضيق وأنا أرى قبول الظُلم، وكنت أتمنى -بين حينٍ وآخر- لو أخرج من هذا الضيق، ربما ليست كل البلادِ جميلةُ، ولكن بعض البلاد أفضلُ حالًا، فهم على الأقل لا يتقبلون مثل هذا الظلم، بل يسعون للتغيير. ولقد سافرت سابقًا مرارًا، ولديّ درايةٌ عن أحوال البلاد الأخرى، فليست هذه مجرد قصص أو تخيلّات. كنت أعرف أن سفري لن يغير من الواقع المظلم شيئًا، وبالمثل هو بقائي، ولكن ربما وجودي في مكان آخر سيكون أكثر جدوى.

أنا لست بشجرة، لأبقى حيث ولدت، اقتنعتُ بهذا يومها، وما زلت على هذه القناعة.

بعد التخرج، قررت محاولة السفر -لغير دافع السياحة-، فبعيدًا عن موضوع اختياري لعملي –لأنه موضوع مختلف-، قررت التقديم لعدة شركات بالخارج لتساعدني على السفر. كنت دائمًا ما أختار الشركة بناءً على المكان الذي أرغب بالعيش فيه. منذ تخرّجت وأنا أحاول في كل ثلاثة أشهر مع شركةٍ جديدة. كنت أنجح في المراحل الأولى للقبول، أما الأخيرةُ فلم أقبل في أيٍ منها ولله الحمد. كثرةُ تجاربي تلك علّمتني ما ينقصني لأتأهل للقبول. ولكن، ومع كل ثلاثة أشهر، كانت اختياراتي تتغير، ومعاييري لترشيح الدولة الأفضل تختلف. في بداية الأمر، شملت القائمة 5 دول كوجهةٍ رئيسية، وبعض البلاد كحلٍ ثانٍ، ثم بدأ الاختيار ينحصر حتى انتهيت بدولة أو دولتين. وهذا كلّه بسبب تكون المفاهيم الجديدة، والاستفادة من القديمة لمزيدٍ من الفهم لما أريد.

أقرأ للمهاجرين، وهم يتحدثون عن سفرهم وتغييرهم لحياتهم، لأعرف ميّزات السفر، وعيوبه كذلك. وهذا كتاب رائعٌ، تعيش فيه مع خواطر أولئك المسافرين: من أوروبا البلد. قرأته مع الكتب الأخرى، وتعرّفت على حالهم مع الحياة عمومًا، وليس مجرّد السفر. وأفضل ما وجدته بالكتاب، هو أولئك الذين يشبهونني، رأيت فيهم أحلامي وطموحاتي، وعقيدتي كذلك، فلم أشعر بأن قصّتهم بعيدة عنّي.

وخلال الأيام الأخيرة، قرأتُ كتاب الدولة اليهودية، باللغة الإنجليزية، وحاليًا أعيد قراءته بترجمته العربيّة، وقد غيّر من فكرتي عن السفر والهجرةِ كثيرًا.

يختلف معنى الهجرة حسب البلد والغاية. وفي هذه السلسلة “الهجرة” سأتناول موضوع الهجرة بجوانبه المختلفة من منظوري الخاص. وأرجو منك ألا تبدأ هذه السلسلة إلا بنيّة قراءتها كلها، حيث أن الأفكار التي سأطرحها مرتبطة ببعضها، واقتطاع جزء منها قد يؤدي إلى عدم الفهم. فهي مكمّلة لبعضها، وعليك أيضًا قراءتها بالترتيب، فلنبدأ.

لست شجرة

كان من الضروري بالنسبة لي إدراكُ كونِ قرار السفر، للهجرة أو للسياحة أو لأي غرض، يجب ألا يرتبط مع حيث ولدت. فقدتُ انتمائي لوطنٍ بعينه، “إني جاعلٌ في الأرض خليفة” في الأرض كلها، وليس في مكان ولادتك. ولا يعني ذلك أن تتشتت في الأرض، بل فقط أن تفكر خارج حدود الوطن بمعانيه المستحدثة.

فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله

ما نحن في هذه الدنيا إلا عابرو سبيل، والدنيا كلّها سفرٌ وهجرةٌ إلى الله ورسوله، فلا تبني حياتك على المحسوسات اليومية، وتنسى “إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة“، ضع غاياتك أمامك وتفحّصها بوضوح، فحتى وإن كان سفركَ لدُنيا تبتغيها، سيكون من الجيّد أن تعترف بذلك، وتكون صريحًا مع نفسك حتى لا يلتبس عليكَ الأمر. فكثيرٌ من الناس يعتقد بأن  هجرته إلى الله، وهي أصلًا خلاف ذلك، فيخسر الكثير لغياب صدقه مع نفسه. لحظة صدقٍ واحدةٌ قد تغيرُ الكثير، وتساعدك على تجديد النوايا كذلك.

إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ

الراوي : [عمر بن الخطاب] | المحدث : ابن تيمية | المصدر : مجموع الفتاوى

الصفحة أو الرقم: 20/223 | خلاصة حكم المحدث : صحيح

وهذه كانت مجرّد مقدمة.

شكر خاص لـخديجة أسامة على التدقيق والتحرير اللغوي.

Advertisements

3 thoughts on “الهجرة: مقدمات (1)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s