الحياة الفردية وقدسيتها

هذه النقطة، أخذت مني الكثير من الوقت لفهمها وتغيير قناعاتي عنها. فلا أعرف إن كانت هذه التدوينة ستنجح في فعل ذلك معك أيضًا. فكرة تقديس الوحدة والمساحة الفرديّة ليست بالحُسن الذي تصوّره لنا الثقافة السائدة اليوم. الحريّة في أن تفعل ما تشاء ودون اعتبار للآخرين. أن يكون الناس عبئًا عليك بدل أن يصبحوا رفقةً لا تحلو الحياة بدونهم. أن تهمّك مصلحتك وفقط دون أن تُلقي بالًا لمصلحة المجتمع. أن يكون تحمّل المسؤولية الاجتماعية والسعي لمجتمع سويٍّ مجردَ فضلٍ من أفراد بعينهم وتضحيّة لا طائل منها. كل هذا خللٌ.

عندما كنا صغارًا، كنا نشاهد في الأفلام هذا المشهد المتكرر، يترك الشابُّ البيتَ في سنّ المراهقة، ليستطيع أخيرًا أن يفعل ما يشاء، ويتحرر من تحكّم الأهل. وكنا نلمس وقتها وجود خلل في هذا السلوك. ولكننا كبرنا لتتحول هذه المشاعر دون قصدٍ منا إلى ثقافتنا. فإن لم يترك شبابنا البيتَ مثلهم، فهم يتعاملون معه كفندق، أو كمصدرِ ضغطٍ على أقل تقدير. كعادتي، ليست مشكلتي مع الفعل، فترك المنزل ليس المشكلة. بل المشكلة هي أن يتركه مُعلنًا انفصالًا عن مجتمعه وعائلته لا امتدادًا لهم. وإلا فإن ترك المنزل يعدّ من أفضل القرارات في مرحلته العُمريّة، ولكن عند رؤية هذه القرار بمنظار الثقافة الفرديّة الأنانيّة “أنا وبعدي الطوفان”، فالأمرُ مختلف.. مختلفٌ جدًا.

في البداية، يسعى الأب والأم بفطرتهم لتكوين الأسرة، وبناء بيت مليءٍ بالود والسعادة. ولكن ما إن يتم  هذا الأمر، حتى يبدأ أفراد المنزل بتدمير هذا المجتمع الصغير، متحججين  بالفرديّة، تلك الثقافةِ التي توغلت فينا. وفي بعض الأحيان يهرب الأبناء من منزل، للبحث عن سكن جديد، أو الزواج وتكوين عائلة جديدة، أو أيًا كان. فالسؤال هنا لثقافة الفرديّة، لم الهدم بدلًا من التوسُع؟

تظهر هذه النقطةً كذلك في السفر، فمِن قبل، كان السفرُ يحبُّ الرِفقة .. أما اليوم، فهناك الكثيرُ من الجدلِ حول السفر دون محرمٍ مثلًأ، وأقوالٌ بأنّ منع المرأة من السفرِ بمفردها، يسلبها حريّتها. وليست مشكلتي هنا في تحليل أو تحريم السفرِ دون محرم. ولكن، لم يكون نقاش هذه القضيّة أمرًا فرديًا؟ أعني، لم لا نفكرُ بها كمجتمعٍ متكاملٍ؟ .. لم يكون فرض الرفيق ضغطًا وتضييقًا .. لا توسيعًا بتحميلهما (المرأة ومرافقها) مسؤولية مجتمعيّة جديدة؟ لم تكون دراسة موضوع السفر فرديّة بحتة و”من بعدي الطوفان”؟ وللتأكيد، مرةً أخرى هذا ليس نقاشًا للقضيّة الفقهيّة، بل هي تساؤلاتٌ عن كيفية التعامل مع مثل هذه المشكلات.

إذا كنت أنتِ ابنةً، وقررت أمّكِ السفرَ لاستكشافِ مكانٍ ما، وقرر أبوكِ السفرَ للتعرفِ على الذات.. وتركوكِ مع جدتكِ أو في ملجأ أيتامٍ حتّى. هل أخطأوا؟ هل هناك ما يحّرم سفرهم؟ لا .. فهُم “أحرار“.. ولكن، من يتحمّلُ ثمنَ حريّتهم هذه؟!

لا أريد إجابة لهذا السؤال، إنني فقط أحاول أن أفتح لك آفاق رؤية جديدة، لترى ما أراه، لنفكر بصورةٍ أوسع. صورة بها بعضٌ من المسئولية المجتمعيّة، صورة لا تجعل الحياة تتمحور حول الفردِ وغرائزه وشهواته، ففي النهاية، الأغلبية يرفضون التفكير في مصلحة من سواهم في قراراتهم، ولا يرون لأي أحد الحق في أن يكون له اعتبار في قراراتهم الشخصيّة.

فمثلًا، لو اشتريت شيئًا بلا قيمة وأنفقت عليه أموالًا طائلة، وأنت تعتقد بأنه فقط لأنّ هذا مالك وأمرك، فأنت حرٌ في التصرّف فيه كليًّا!.. وإذا ذكّرك أحدهم بقدرة هذه الأموال على تغيير حياةِ أحدهم، لشعرتَ بالسُخف. بل ولتساءلت: “هما كانوا من بقيّة أهلي!!”. وأحيانًا تتحجج بالعجز والانشغال بحياتك الفرديّة اليوميّة عن هؤلاء المساكين، وأنك لا تملك لمساعدتهم غير الدُعاء.

أنا لا أتكلم بشكلٍ فقهي ولا أناقش التحليل والتحريم في كونه حقًا لك، أنا فقط  أتكلّم عن الثقافةِ السائدة. إن كنتَ تؤمن بأن حريّتك هي فوق كل شيء، فلك ما أردتْ. أما عنّي، فقد كفرتُ بهذه الثقافة، وأحاولُ الانسلاخ عنها بأقصى قدرٍ يوميًا.. لأنّي أعلم بأنها قد فُرضت في منظومةِ حياتنا بشكلٍ مخيف.

مقابلة بلومبرج: صراع الحياة الفردية ضد حياة “في اﻷرض خليفة

ومن نتائجِ  هذه الحياة الفردية، أنها تسجنك، فتجعلكَ مقيدًا عن تغيير العالم الذي لطالما حلمتَ به. في دوام عملٍ، يتحكم في تفاصيل حياتك،  أفكارك وانشغالاتك، ويحدد لك ما هو “شغلك“، ومتى يكون وقت فراغك. وأحيانًا تؤدي الثقافةُ السائدةُ والإعلام هذا الدور، فتختار لك ما تُنفق عليه أموالك، وتزيد من سعيك وراء المادّة، واطمئنانكِ بها، لتظلّ محتاجًا لهُم، ولتشعر أنه إن لم تعمل معهم بهذا الشكل الذي هو أقرب للعبوديّة، فستكون عاطلًا، حتى وإن ملكت المال. ما معنى عاطل أصلًا؟ إن بعض الأعمال يكون إنتاجك فيها كالعاطل تمامًا.. ولكن تُظهرك  بوجهة اجتماعيّة مقبولة؟

أصبحتُ أؤمن بمثل هذه الأفكار: لا تعمل إلا لهدف.. ولا تحصر أهدافك في جمع المالِ فقط، بل اجعلها أوسع. ودعني لا أخوض أكثر في هذا الموضوع حيث أنّه ليس هدف التدوينة. فهدفها كان الحديث عن السفر، وقد كان العملُ بالخارج بابًا للسفر بالنسبة لي، فقدّمتُ عند كثيرٍ من الشركات. في 2015، كانت المحطة الأهم في تغيير الفِكر هي بلومبرج.

قدمت على هذه الشركة، شركةٌ معروفةٌ جدًا، هي الأقوى في مجال الاقتصاد وأخباره وتحليله. ولم أكن أعرفها قبل التقديم، لجهلي. ولكنني قدمتُ لأن تلك الفُرصة قد وصفت لي بشكلٍ رائع، وهي أيضًا في لندن. تم قبول ورق التقديم وإخطاري بأنني سأمرُّ على أكثر من مقابلة. استعددت لها جيدًا. المقابلة الأولى كانت عبر الهاتف، لحل بعض المسائل وتحويلها لكود. كانت رائعة وصعبة في نفس ذاتِ الوقت. كنت قد بحثتُ قبلها عن الشركة أكثر وعرفتُ مجالها، وبينما كنتُ أبحثُ عن منافسيها، وجدت إجابةً على Quora تدّعي بأن بلومبرج متفوقةٌ بشكلٍ يجعل كل المنافسين أقلَّ منها بكثير، ولا يمكن اعتبارهم منافسين.

بعدها بفترة، جائني خبر نجاحي في أول مقابلة. وقد حان وقتُ المقابلةِ الثانية، والتي ستكون أصعبَ قليلًا، وبالصوتِ والصورة. كنت أعلم يقينًا بأن قبولي في هذه المقابلة، سيحوّل كل شيءٍ لمرحلة الجديّة التامّة. وليس كنوعٍ من التفاؤل ولكن للاستعداد. قررتُ بأن أبذل قصارى جهدي. فبحثت أكثر عن الشركة، ولكن هذه المرّة اختلف الأمر. لقد علمتُ بأن صاحب هذه الشركة مايكل بلومبرج  هو أحدُ أهمّ الداعمين للصهيونيّة. وأصبحتُ أتتبع المقالاتِ عنهُ في الجرائد الصهيونية.. بدلًا من مذاكرةِ ما هو أولى للاستعداد للمقابلة.

في هذه اللحظة، وقعت في تخبّط حقيقي. فإذا تم قبولي، هل سأشكّل بهذا إعانة للمشروع الصهيوني؟ وهل وجودي هناك سيغيّر في القصة أي شيء؟ ماذا لو أذهب لأخذِ الخبرةِ منهم ثم أتركهم؟ ألن يجدوا أفضل مني على أية حال؟ لماذا أتعامل مع وجودي كشيء مؤثرٍ، أليس الأمر ببساطة أننا “لم تعد لنا أي قيمة فارقة”؟ هل أعتذر عن المقابلة القادمة؟ أم لا، كي أستفيد؟ هل أتناسى هذه المعلومة؟ على أية حال، أوليست كل الشركات ذات الجنسيّات المتعددة تعمل على زيادة  الثقافات الفاسدة بالمجتمع؟ وفكرتُ كثيرًا، وفي الواقع، لم أصل لقرار. شعرت أنني أريدُ إكمال التجربة للنهاية، وسآخذ قراري عند الانتهاء. فمن قال أنني سأُقبل على أيّة حال؟ صلّيت الاستخارة، وأيقنت بأن الله لن يضيّعني.

استكملت العمل من أجل المقابلة، كانت أفضل مقابلةٍ في حياتي. خلال أكثر من ساعتين يتمّ عصري بجميع أنواع الأسئلة والمسائل والتفاصيل، ولكن بطريقة تجعلك تخرج منه بفائدة حقيقية. لو عاد بي الزمن لكنت خضت تجربة مقابلتهم تلك مرّة أخرى، لأحصل على أقصى استفادة. تم رفضي بعدها ولله الحمد.

فكرت بعدها كثيرًا في أمر السفر. ولكن هذه المرّة مع تذكر “الفرديّة“. أنعمل نحنُ لأجل المال فقط؟ أنسعى فقط للحياة  بـ “التحضر” الذي يدعونه؟ آكل، أشرب، أذهب للتسوق، في حياة آمنةٍ ومطمئنة مع شركة ومرتّب، ودون تفكيرٍ في ما يعكّر المزاج.. أو حتى آخذ خبراتٍ من عالمٍ مُعاد على أمل أن أستعملها في عالمنا يومًا ما.. هل سيصبح ذلك العالم معاديًا بعد أن انتميت له؟ غيري ربما عنده خطّة صارمة لتحصيل الاستفادة من العدو دون التصالح معه، ولكنني أتحدث عن نفسي عمومًا، وأتحدث أيضًا عن الحياة التي يعتقد الكثيرون بأنها ناجحة. هل هذا نجاح؟ مرتب وعيشة “حلوة” وبس؟ هل هذا فعلًا ما جُعلنا “في الأرض خليفة” لأجله؟

تفقد فيه كل المعاني والغايات، لتنغمس في ثقافةٍ ما، بحجّة المساحةِ الفرديّة.. حسنًا، كما تشاء. ولكن أرجوك، لا تتحجج بأنّ مثل هذا “لله ولرسوله” إلا إذا شرحت كيف يكون ذلك، وكيف تلتقي هذه المتناقضات، بوضوح.

لم تكن هذه كل الأفكار، ولكن كانت محطة أساسية في توجيهها. في التدوينة القادمة، نستكمل -إن شاء الله-.

شكر خاص لـخديجة أسامة على التدقيق والتحرير اللغوي.

Advertisements

One thought on “(2) الهجرة: الفردية وقدسيتها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s