وهل هنا الوضع مختلف؟

نعم، أنا أيضًا خطر ببالي هذا السؤال..فهل الوضع هنا مختلف؟ بالطبع لا، بل ربما أسوأ، فهنا تحيطك كل تلك الثقافات الفاسدة، وفوقها تجد تقبُّل المهانة، الظلم والانشغال بأتفه التفاصيل. ونحن نعيشُ حياةٌ مؤجلةٌ على كل حال. وهذا بالتأكيد ليس حال الجميع، لكنه السائد. وما دامت الدنيا كلها سفرًا، فعلينا دائمًا تحديد ما إذا كانت هجرتنا أو بقاؤنا هي لله ورسوله، أو لسِواهما.

فلنجعل من هذا العنوان فرصةً لأذكرك بأن هذه التدوينة ليست دعوة لـ(عدم الهجرة)، لكنها لا تدعو للـ(هجرة) كذلك. وإنما هي مجرد أفكارٍ تعترض لعقلي فأحبُّ ترجمتها بالحروف، وهي محاولة لجعلك ترى الأمر بشكل موسّع ومختلف، وقد وجب التنويه منعًا لالتباس الأمور، فلنكمل.

هل هي المؤسسات فقط؟

في هذه المرة تحديدًا أعدتُ التفكير بالأمر بكلّه. ما دمتُ أنا ضد الحياة من أجل الاستهلاك  والتمتعِ الفردي فقط، وأريد أن أوسّع هذه الدائرة الفكريّة قليلًا. فهل قائمة البلاد التي تتضمن إنجلترا أصلًا سليمة؟

ولأن المركزية لله، فلرسوله، فللإسلام، ولأنني ما فكرتُ في السفرِ إلا هروبًا من الظُلم. فقد أصبحت أتفقّد الوجوه المتخفّية في كل بلد. بلادُنا تُعلن ظُلمها علنًا، ويطال ظلمها أهلها لا غريبها. ولكنّ بلادهم مجرمةٌ كذلك، فهي تظلمُ غريبها، وتُغيِّب وعي أبنائها، أو تحولهم إلى مجرمين مثلها. فهل أتقبل ظلمهم كغريبةٍ عنهم، وأترك عقلي فريسة للتغييب والتضليل؟

أخرجتُ كثيرًا من البلاد من قائمتي. ثمّ كالعادة، اشتقت إلى من يشاركني خواطري ويوافقني آرائي وأفكاري في هذه الأمور، لأشعر بقليل من الاحتواء ربما. وقد وجدت ضالتي هذه في كتاب (من أوروبا البلد)، في مقالةٍ لأحمد عبد الحميد فيها. عنوان المقالة كان: “شغف“، حكى فيها الكاتب بأنه كان يعمل في فرنسا، عندما نقل عبد الله الشامي، مراسلُ الجزيرةِ، ما يحدثُ في مالي، من قِبَلِ فرنسا. وقد شرح أحمد عبد الحميد شعوره حينها، وكيف أنّه في النهاية قدّم استقالته، وترك فرنسا. لم تكن فرنسا قد آذته بشكلٍ شخصيٍّ، ولكن كيف لا نرضى بالظلم ما دمنا مُغيبين بالفردية؟ وكيف نرضى به إن كنا عكس ذلك؟.

تغيير الانتماءات

شئنا أم أبينا، سنظلّ دائمًا ننتمي لشيءٍ ما. وما ننتمي له دون علمنا، أعظمُ بكثيرٍ مما ننتمي لهُ بإدراكنا. وعن هذا الأمر، تحدّث مالك بن نبيّ كثيرًا في كتبه. كيف أن بلادنا مستعمرةٌ دون استعمار. وأساليب ذلك الاستعمار كثيرة، من أبسطها ما تلبس. نعم الملابس، فإن كنت تلبسُ  كالعدو،  هل سيظلُ عدوًا؟ في الواقع، قد يتساءل البعضُ وهو يقرأ هذا، عن أي عدوٍ أتحدث.

إنّ الأمر أكبرُ من مجرّد ما تلبس، تأكل وما تشاهد الآن. فهُم لن يغيروا انتمائاتك فقط، بل حتى معرفتك عن ذاتك. من أكثر ما تفاجأتُ به عندما بدأت الإطلاع على تاريخنا بنفسي، هو أن سقوطَ الخلافة مثلًا حدث بين عامي (1908-1922)، أي أنّه كان منذ 100 عامٍ فقط! ربما عرفتُ هذا التاريخ مسبقًا ثمّ نسيته. لكنني لم أدرك، ولم يعمل أحدُ على توعيتي لأُدرك أنها 100 عامٍ، ليست 500 أو 600 عام.. إن 100 عامٍ ليست بمدةٍ طويلة إطلاقًا! أن عمري وحدي وأنا أعتقد أنني صغيرةٌ هو 23! .. أي ما يقارب ربع تلك المدة.

وكذلك لم أكن أدرك، كيف أن سقوطها كان فعلًا أمرًا جللًا.. وليس كحزنٍ ولا مواقف.. ولكنه صعبُ التخطّي بهذه السرعة! تخيّل لو انفصلت الإسكندريّة عن مصر. فبعيدًا عن أن هذا سيكون أمرًا سعيدًا لمُعظم أهل الإسكندرية، ولكن هل من السهل نسيان صورةِ مصر الموحّدة سريعًا؟ ومثلًا.. هل ضمّ مصر والسودان ليصبحوا بلدًا واحدًا، سيُنسينا أننا لم نكن بلدًا واحدة؟ ذلك التغير في الشعور من كونكَ جزءًا من خلافةٍ واسعة الامتداد، لتكون فجأةً غير منتمٍ لهم، ليس أمرًا تتخطاه بهذه السرعة! وإن كنتَ ترضاه! .. فكيف تمّ طمسُ وعينا وذاكرتنا بهذه السرعةِ والقوّة؟

وكيف لنا حين نهاجر لتلك البلاد، ونكون جزءًا من نسيجِ من عادانا، أن نتذكر حينها أو نقاوم، ونغيّر من أوضاعنا يومًا ما، أم أن تلك الهجرة هي إعلانٌ لموتِ القضيّة في قلوبنا؟ وليس الأمر كما يظنُّ البعض، بأنها أحداثٌ تاريخيّة فحسب وقد ولّى زمنها.. ولكنه أمرٌ مستمر، والعملُ عليه مستمر.. لو أننا فقط لا نرضى بحياةِ الفرديّة.

يأخذنا كلّ هذا الحديثِ إلى موضوعٍ أكبر، سيأتي في التدوينة القادمة إن شاء الله.

شكر خاص لـخديجة أسامة على التدقيق والتحرير اللغوي.

Advertisements

3 thoughts on “(3) الهجرة: الانتماء

  1. .مقالاتك عن الهجرة فتحت لي آفاقا في البحث والقراءة .. فشكرا
    أظن ان صاحب القصة في كتاب من أوروبا البلد اسمه أحمد عبدالحميد وليس عبد المجيد

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s