ماهية الدين والعلمانية

لست بعالمةِ دين، ولا دارسةٍ للعلمانية. ولكن، وبما أن الاثنين لهما تأثير في حياتي، فمن حقي بناء التصورات عنهم، وعن ماهيّتهم، وإن جانبتُ الصواب في أحكامي فإني أجتهد لأصل إليه، وهذا لن يُلغي أنه  سيكون لي فهمٌ خاص بي لكلٍ منهما في النهاية.

العلمانيّة كما أفهمها، هي فصل الدين عن الدنيا، والدين كما أفهمه، يشمل تطبيق أحكامه وشريعته في الدنيا. وكما ترى فالمفهومان متضادان، ويحاول الناس اليوم جاهدين التوفيق بينهما، ولا أدري هل هناك من سبيلٍ للنجاح حقًا؟! وبطريقةٍ أو بأخرى، فإن هناك وجهًا نحبّه للعلمانيّة، ذلك الوجه الذي يتيح لي السفر إلى أي بلدٍ في العالم، التعلّم من أي أحد، وهذا “الانفتاح” الذي يعطيني الحرية الكاملة بين من يخالفونني الرأي، ولا يجعلهم يرفضونني أو ينبذونني، وبدوري لا أرفضهم كذلك. فكل واحدٍ حر، لا يقنن حريّتنا إلا تلك القوانين الموضوعة بشريًا كجهودٍ للحدّ من المشاكل، وبلا رجوعٍ إلى الدين، لأن الدين لا يشملنا جميعًا.. فكيف تفرض ما تؤمن به أنت على غيرك ممن يخالفك؟

العلمانيّة ببساطة، هي طلبُ قريشٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا ربّه يومًا، ويعبدَ آلهتهم يومًا.

هي ببساطة، الخوفُ على المصالح، وقد وعيتُ هذا الدرس من السيرة منذ طفولتي. رفضت قريشٌ الدين، خوفًا على تجارتها من الكساد، وعلى حجاجها، ومن أن ترخي قبضتها ويضعف استغلالها للقبائل من حولها. ورفض اليهود الدين، لأنه لم يجعل لهم يدًا عُليا على غيرهم، كما تمنوا..كِبرًا.. وهم لم يتغيروا حتى اليوم!

لمَ كان كل هذا العناء؟ ..لمَ لمْ يظل في غار حراء يتعبد؟ لمَ لمْ يكونوا فقط زهادًا؟ يجعلون الله معبودًا جديدًا يوحدونه هُم، ويتركون حريّة الشرك والاختيار لغيرهم كما يشاؤون ..وكأن الله في نظرهم مجرد صنم إضافي حول الكعبة. -سبحانه وتعالى عما نقول-.

بالطبع، فإن في هذا التصرّف خللًا يُلغي كل معاني الدين الإسلاميّ. فالدينُ يطلبُ منك التغيير، ولا يرضى أن تأتي بالباطلِ مع الحق، بل إنّه أنكر على المنافقين خوفهم الذي يحرّكهم، فقال سبحانه: “مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.” ،فخوفهم يدفعهم أن يحاولوا الجمع بين الحق والباطل، غير متعارضين مع أحدهما ولا راغبين في تحمّل أذى المعارضة، في تناقضٍ رهيب وخوفٍ مُذِلّ.

كيف سيكون الدين هينًا لينًا، وهو يرفض كل هذا من أساسِه؟ وكيف يختلط الباطل بالحقّ فلا يعكّره ويفسده؟

بالطبع فقد رفض عرض مكّة، حرم المسلمين من حريتهم في أرضِ مكّة. ولم يكن من سبيلٍ لنيل هذه الحريّة إلا الحرب في مرحلة ما. ويحتجّ هاهنا بعض الناس، بأن الدين أساسُ الدماء، فها أنت تنكر على الآخرين أن ينالوا حريّتهم.. وتقتلهم لتأخذ حريّتك. وأنه كان من الأولى على الرسول محمد أن يترك حريّة الاعتقاد – الكفر – لقريش، ويتركوا له حريّته كذلك. بعيدًا عن أنني أتساءل، أيّ حرياتٍ تلك التي ستبقى إذا حدث مجرّد هذا، وبعيدًا عن أنّه نبيٌ مرسل، وبعيدًا عن وصل الدنيا بالآخرة.. هل هذا ما يحدث بالضبط حين تكونُ حريّة الاعتقاد؟ هل عبادةُ الأصنام هي مجرد ما ينتشر آنذاك، أم أنها ثقافةٌ متكاملة؟ وهل كان سيصل الدين إلى ما بعد موت محمد -صلى الله عليه وسلم- ؟ وهل يتوقف سفك الدماء فعلًا إذا أُلغي الدين؟

هل يتوقف القتل؟ إمم..ولمَ كانت الحروبُ العالميّة إذًا؟!.. ولمَ الحربُ في مالي؟ ولمَ التحكم والحروب في الصومال؟ ولمَ حربُ العراق؟ ولمَ حربُ أفغانستان؟.. القائمة طويلة، طويلةٌ جدًا. والمفارقة هي أن تلك الدول المُدافعة عن الحريّة والمُتشدّقة بها اليوم هي من تقوم بسفك الدماء. ولكن يبدو بأن كلّ شيء هو دين، فالدين أساسًا هو ما تؤمن به وتعمل على أساسه، ولن تفرض دينك إلا بالقوّة.

علامَ بُنيت أمريكا مثلًا.. أبدونِ حروبٍ فعلًا؟ 🙂 .. رائعٌ هو كيف أنك لا تعرفُ إلا ما أرادوا لك أن تعرف ..

في الواقع، أنت تعلم بأن الدماء لم تتوقف، والحرّيات لم تؤخذ. ولكن هذه المرّة، وأنت شخصٌ “فرديّ” لا يهمّك إلا ما يُحيطك. وقد يهمّك أكثرُ من هذا أحيانًا، ولكنْ، هو العجز من يوقفك!.. فبينما يتحركون هم كأمّة واحدة، تدافعُ أنت كفردٍ عن حريّة مكذوبة، وعن سلميّة وهميّة، وليس لديك القوّة.. القوّة التي أقنعوك بأن امتلاكها جريمة. ليس الأمرُ دعوةً للأخذ بالسلاحِ كفردٍ والذهاب للقتال في الصومالِ مثلًا، فمن يفعل ذلك يبدو كمن يعملُ مع العدو، إما لانتمائاتٍ خفية، أو لتوغل العجز والجهل والفرديّة حتى في مثل تلك المؤسسات.

ولكن، مرّة أخرى، هل السفرُ إلى بلادهم وتقبّل علمانيّة الحياة سيغيّر في الأمرٍ شيئًا؟ أم سيزيده على مدار الأجيال. ولا أتكلم هنا عن الإسلام ولا عن الدينِ وحده. بل عن الظُلم الإنساني! عن الناسِ في بقاعِ الأرض يهلكون يوميًا، ليس فقط من الحروبِ.. بل من الجوعِ أيضًا! وتستمرُ الرؤية الفرديّة.. ففي نهاية الأمر ربّما ليس مشكلتك، لكنك تملكُ الدعاء لهم.. فاللهمَّ فرِّج عنهم، اللهمّ آمين.

ولكن حتى بالنظرة الفردية، الأمر يخصك. وليكن هذا حديثنا في التدوينة القادمة.

شكر خاص لـخديجة أسامة على التدقيق والتحرير اللغوي.

Advertisements

3 thoughts on “(4) الهجرة: الدين والعلمانية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s