هذه العلمانية وقيمك

يقرر كثير من الناس، مع علمهم بكل ما ذكرناه في المقالاتِ السابقة، بأن يخوضوا هذه المخاطرة، والتي لا تشملهم وحدهم، بل تشملُ ذريّتهم كذلك. يخشى معظمهم على ذريّتهم. وفي كتاب “من أوروبا البلد” ومن مقالات المغتربين في كلِ مكان ما يعبّر عن هذا القلق، ولا أريد الاستشهاد بمقالات معينة كي لا يبدو الأمر وكأنه هجومٌ بدلًا من مجرّد ذكر أمثلة. في الواقع، أنا لا أهاجمهم، ولا أدّعي بأن سفرهم خطأ، بل على العكس.. هذه التدوينة فقط لأؤكد أن هناك عوامل كثيرة يجب أخذها بالحُسبان.

ولكن مع الهجرة، بعد ما كانت الصلاة في المسجد في حكم الواجب أو فرض الكفايةِ أو حتى المستحبِ عند أحدهم.. أصبحت الصلاةُ في وقتها إنجازًا.. الصلاة في هذا المجتمعِ الصغير الذي لا يذكر الله، بل لا يؤمن به في الواقع. أصبح الحفاظ على مجتمع إسلامي صغير إنجازًا. أصبح الأكلُ الحلال إنجازًا. وتدور كل هذه الإنجازات في نهاية الأمر حول “الفرديّة” مجددًا.

ويصبح شعورك بأهميّة إرشاد من حولك، ثانويًا.. بل قد يقل مع الوقت إن لم يكن هناك من يحمل هم الدعوة، ومن لم يفتتن كذلك. في بعض المجتمعات، يحتاج الأب والأم إلى كثير من الجهد ليجدوا طريقة يوضحون لأبنائهم بها أن الشذوذ حرامٌ في الدين وأنه إما خلل طبي أو انتكاسة في الفطرة.. وكل ما قد تنص عليه شريعتنا في هذا الأمر.. وفي نفس ذات الوقت، تعلمه بأن يتقبله، بل ويحترمه، لأن النظام هنا يبيحه ويمنح الشواذ حريتهم. وأنه في كل الأحوال ليس تدخلًا في حريّتك أنت.. كيف تعلم ابنك هذا وفي نفس الوقت تضمن أنه لن يصاب بخلل بعد ذلك يجعله يجرب مثل هذه الفاحشة بعد أن تقبلها؟ ربما هي فاحشة يستنكرها الإنسان بطبعه (بعيدًا عن استنكارنا كيف مسخت هذه الفطرة في بعض البلاد).. ولكن ماذا عن الخمر، كيف سيعلمونه كمراهق، أن يتجنب الخمر ويبغضه وهو يرى أقرانه وكل من يعرفه يحبونها ولا يتخيلون حياتهم بدونها؟.. يمكنك أن تنفره منها، ولكن كيف ستتأكد أنه سيوازن بين كراهية الأصنام واحترام حرية عبادتها.

لا أدري، ولكنني لا أرى تكسير إبراهيم للأصنام إلا كفطرة لا تطيق رؤية مثل هذا والتعايش معه. وإن أراد أبوه يومها أن يعلمه فن التعايش والعلمانية، لقتل فيه الكثير.

هذا عن أبنائك.. فماذا عنك أنت شخصيًا؟ (:

المشكلة الكبرى، أننا في بلادنا التي نفكر في الهجرة عنها، أو هاجرنا عنها، لم نسلم من الخلل، بل زادنا الخلل أعباءً، فنقارن كالمساكين، حالنا بحالهم.. فنشعر بأنهم على حق. على الأقل بالمقارنةِ بنا. ومع الشعور بالانتماء الذي يزيد يوميًا، نتخلى عن مركزيّة الدين.

إلف المعصية وتغيير القناعات

مثال؟ ببساطة هي أخطر قضية أو فاحشة أصبحنا نتقبلها ونراها في كل مكان. وهي العلاقات، من زواجٍ في بلادنا إلى العبث في بلادهم. في بلادنا، لم تعد المركزيّة للدين.. حتى عندما يكون المنظم للزواج يؤمن بالدين. فبعد أن كان الزواج دائمًا فطرة وطبيعة بشريّة، وامتدادًا طبيعيًا.. أصبح همًا، بانتشار مفاهيم “خوف القدر”، “ضياع الأمانة” والكثير من المفاهيم التي تلتف حول الدين لتنزع عن المؤمنين إيمانهم بالله في حسن التوكل والأخذ بالأسباب ببساطة، ودون اختراع الكثير من البدع التي تصعّب علينا الحياة. والتي نشكو منها فيما بعد. هذا بالطبع، إلى جانب المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تصعب علينا الأمر أكثر فأكثر. فيظن المتديّن في بلادنا، أنه نجح في اتّباع ما أمره الله به، عندما يتزوج بعد الثلاثين، فيستعفف وينجح في الانتهاء من كل أساسيّات حياته ويُعطّل فطرته.. بل يخرّب معنى الحياة كلها ويظن بأن هذا في سبيل الدين. ربما كان هذا الخيار الحلال الوحيد المتاح.

ثم يسافر، أو تسافر هي.. أو حتى بدون سفر. تصله ثقافة الكوكب الآخر. ذلك الشخص عندهم، الذي ما إن أحب إلا استطاع أن يصل من أحب، بدون بذل أي مجهود في أي شيء. ولا حتى جهد شخصي بالتفكير في المستقبل ولا المعتقدات ولا القيم، قبل أن يجرب الأمر كله وكأنه زواج. لأنه غير ملتزم بهذه التجربة. وغير ملزم بتوضيح أي شيء للأهل ولا تحمل أي شيء. بل ويجرب لسنوات حتى يجد ما يطمئن قلبه ثم يتزوج في نهاية الأمر. تعرفت على صديقة أمريكية غير مسلمة في الإسكندرية منذ أربعة سنوات، وببساطة تزوجت بعدما رجعت إلى أمريكا بصديقها الذي كانت تحبه لعامين، وحضر العرس ابنهم الكبير وهو في بذلة أنيقة! كيف ستحرم ابنك من حضور فرحك؟

بين هذا وذلك قد تضل. من بعيد، قد تستقبح فكرة أن يحضر ابنها زواجها. وقد تتساءل في نفسك “ما هذا الخلل”.. ولكنك تستقبح كذلك كيف أنك لا تصل للسكينة التي خلقها الله لك بسبب أنك تضيع عمرك فيما لا تريد. قد تستقبح قناعتهم بأنه يجب أن تجرب الأمر للتأكد من عدم تغيير رأيك، وأنه لم يفُتك شيء، ولتعرف قيمة ما وصلت له.. قبل أن تتحمل المسؤولية كاملة. ولكن فأنت تستقبح كذلك، حمل المسؤولية كاملة، وليس مسؤولية الحاضر فقط.. ولكن مسؤولية خوف القدر!.. فأنت يجب أن تعيش حياة لا تريدها خوفًا من أن تعيش حياة لا تريدها -كذلك- في المستقبل. يبدو الأمر غريبًا جدًا ومع ذلك فهو مقنع بالنسبة لهم. ولكن تنسى في هذه المقارنة، أن كلهم بعيدون عما شرعه الله.

في رحلة تحول مفاهيمك وإلف المعصية، قد تبرر لنفسك كيف أنهم يكونون في حالات معينة أقرب للدين والفطرة منا. ولكن ها هي الفردية مرة أخرى، فننسى أنه في الواقع، كل تلك التأثيرات تتحكم في المجتمع كله. وربما تظن أنه ليس من الحياء ذكر هذا المثال، بينما في الحقيقة اخترت هذا المثال اجتنابًا لما هو أكثر تركًا للحياء. وفي الواقع، أنا أستحي، ولولا طغيان هذه الثقافة في تلك البلدان التي نهاجر إليها، ما ذكرتها، ولولا محاولة تغيير مجتماعتنا إلى ما هو أقبح من ذلك لما ذكرته على استحياء. فكيف نستحي من ذكره.. ولا نستحي من تقبله.. بل وتمنيه من قبل البعض!

أعجبني تعليق لسيّد قطب في كتاب (معالم في الطريق) على هذه القضية:

وحين تكون ” الأسرة ” هي قاعدة المجتمع . وتقوم هذه الأسرة على أساس ” التخصص ” بين الزوجين في العمل . وتكون رعاية الجيل الناشئ هي أهم وظائف الأسرة . . يكون هذا المجتمع ً متحـضرا . . ذلـك أن الأسرة على هذا النحو – في ظل المنهج الإسلامي – تكون هي البيئة التي تنشأ وتنمى فيها الأخلاق والقـيم ” الإنسانية ” التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة ، ممثلة في الجيل الناشى ، والتي يستحيل أن تنشأ فـي وحـدة أخرى غير وحدة الأسرة ، فأما حين تكون العلاقات الجنسية ( الحرة كما يسمونها ) والنسل ( غير الـشرعي ) هي قاعدة المجتمع . . حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال ، لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي في الأسرة . . حين تصبح وظيفة المرأة هي الزينة والغواية والفتنـة . . وحـين تتخلى المرأة عن وظيفتها الأس اسية في رعاية الجيل الجديد ، وتؤثر هي – أو يؤثر لها المجتمع – أن تكـون مضيفة في فندق أو سفينة او طائرة ! . . حين تنفق طاقتها في ” الإنتاج المـادي ” و ” صـناعة الأدوات ” ولا تنفقها في ” صناعة الإنسانية ” ! لأن الإنتاج المادي يومئذ أغلى وأعز وأكرم من ” الإنتاج الإنساني ” ، عندئـذ يكون هنا هو ” التخلف الحضاري ” بالقياس الإنساني . . أو تكون هي ” الجاهلية ” بالمصطلح الإسلامي !

فكُن على يقظة ووعي، فأنت قد تضحي بمركزيتك ﻷجل الفردية الوهمية. تحتاج إلى هذه المجاهدة في العالم كله اليوم. فيجبروك على قبول الفاحشة في أبسط تفاصيلها إما بالمعايشة هناك، أو بالمشاهدة هنا. وليس مع الهجرة وحدها. قد تكون أقوى في بلاد عن بلاد. ولكن يا مهاجر، وحد القبلة.

ليس كل السفر فردية!

سيقول البعض: أنه ببساطة يدرك كل هذا، ولكن سفره لله ولرسوله وليس بفردية. فخوفنا من الفتن لا يجعلنا ننغلق على أنفسنا هربًا منها. وإننا في وقت نحتاج فيه إلى الانفتاح على العالم المتقدم -في وجهة نظره-. ومن هذا الانفتاح، السفر للتعلم بالخارج وللدعوة بالخارج وﻷهداف كثير نختلف فيها.
وكتذكرة، لا أرفض في العموم أي من كل هذا، ولكن مازال هناك المزيد من النقاط التي أريدك أن تدركها وأنت في هجرتك إلى الله ورسوله..هذه المرة، من وجهة نظر الدول اليهودية، في التدوينة القادمة.

شكر خاص لـخديجة أسامة على التدقيق والتحرير اللغوي.

Advertisements

2 thoughts on “(5) الهجرة: العلمانية والقيم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s