كنت أخططُ لقراءة هذا الكتاب منذ وقت طويل. كان كتابًا مزعجًا في أفكاره ومستفزًا أيضًا. معظم أفكاري في هذا المقال استلهمتها منه، على الرغم من أنها لم ترد فيه نصًا. ولكن، هذه هي طبيعة القراءة المتعمقة، تحثّنا على التفكير.

بدأ كتاب الدولة اليهودية بالحديث عن “بؤس اليهود” و “معاداة السامية”، قد يقرر البعض الاستهزاء بهذه المقدمة ويقول بأنها مجرد استعطاف للعالم، وقد يقرر البعض الآخر أن يغض نظره عن “المسكنة اليهودية” هذه ويحاول استخلاص معانٍ حقيقية من الكتاب.

لا خلاص للظلم الواقع على اليهود -في وجهة نظر الكاتب- إلا بحصولهم على دولة خاصة بهم. ذكر هرتزل كيف أنهم مشتتون، مضطهدون، وواقعون تحت تضييق شديد. وبينما هو يصف كل هذا، شعرت بأنها حالةٌ يحاول العالم أن يوصلنا نحن إليها اﻵن.

في التدوينات القادمة، سأشرح كيف رأيتُ هذا، وعليك أن تتذكر أيضًا – كي لا تظلمني بأن تظنه رأيي الشخصي – ..تذكر أن كل هذا الوصف لليهود هو وصف الكاتب فقط دون تدخلٌ منّي. أما أنا في هذه التدوينة فما زلت أتحدث عن الهجرة.. هجرتنا نحن.

الشتات في اﻷرض

لم يكن لليهود وطن أبدًا فهم مشتتون في بقاع الأرض. يهربون من اضطهاد لاضطهاد. فهم  ليسوا بمواطنين. هم دائمًا زوّار في أي بلد يهربون إليها، بل لاجئون. تتعامل معهم البلاد المُستضيفة بمنّة وشفقة ثم باحتقار. إذا نجحوا يستحقرونهم ويضطهدونهم لأنهم في نظرهم يأخذون أكثر من حقهم.  لا يملكون شيئًا بأكمله، فهم دائمًا مقيّدون بالمساحة المتوفرة لهم. وحتى تلك البلاد التي  آوتهم لن تتحملهم كثيرًا وستبدأ باضطهادهم هي كذلك.

يرى الكثيرون بأن المسؤول عمّا يحصل مع اليهود، هو أخطاؤهم بنسبة أكبر من أخطاء البلاد المستضيفة. وكما أوضحت فهذه التدوينة  ليست عنهم. ولكن هذا اﻷمر -كما وصفه هرتزل- هو:

ومن الطبيعي أننا نرحل إلى اﻷماكن التي لا نلقي فيها اﻷضطهاد, حتى إذا حللنا هنالك فإن مجرد وجودنا في حد ذاته يولد اﻷضطهاد.

بدأت أُسقط هذه النقطة علينا، سابقًا، كنا نسافر لكل مكان كتوسع، أما اﻵن فعددٌ لا بأس به منّا يُرغَم على الهجرة. وليست هذه الهجرة الحالمة للتوسع أو الدعوة أو للانتشار أو العلم. ليست الهجرة التي تجعلك غير مشتتٍ، تسافر وأنت تنتمي إلى مكان ما، زائرٌ كريم من بلد كريم. بل هي هجرة أقرب للجوء، تهاجر كلاجئ، تهاجر هربًا من ظلمٍ وقع أو سيقع عليك، تهاجر فاقدًا للأمل، تهاجر لتجد أقل حقوقك في الحياة كفرد!

أصبحت الهجرة هي حديث الساعة للكثير من الناس من مختلف الانتماءات والأفكار. من استطاع الهجرة فليهاجر. ولكني رأيتها يومها وأنا أقرأ، هجرة تجعلنا بلا وطن وتجعلنا مشتتين. ففي نهاية اﻷمر..نحن زوار اﻵن. وتصريحات الدعاية الانتخابية في أمريكا مثلًا، خير مثال على أنه حتى في بلد اعتمدت بنيتها على تعدد الجنسيات..ستعاملك كغريب. ربما بناءًا على خطة..وربما ﻷن الهجرة عشوائية مخططة. في السابق، كان المهاجر غالبًا يأمل العودة للعائلة والذكريات. أما اﻵن فنحن في بداية تدمير كل هذا. لا أظن أننا وصلنا لمرحلة الشتات، ولكن أرى بدايات العمل على ذلك. وأقصد الشتات الفعلي. أما الشتات المعنوي فيزيد يوما بعد يوم في بلادنا بيننا منذ أول خطوة في الشتات الفعلي السابق (سقوط الخلافة). وﻷننا ما زال لدينا أرضنا وبلادنا، لا يبدو اﻷمر قريبًا. ولكني أخشى أن يكون هذا مجرد وهم، ويقترب الأمر سريعًا..كما نسينا الخلافة في أقل من مئة عام.

اللهم إنا نعوذ بك من الشتات في اﻷرض.

الاندماج

لا يندمج اليهود في أي مكان. وقد أوضح هرتزل أنه كان يرى جزءًا من عدم الاندماج هو بسبب الاختلاف العقائدي في العصور الوسطى. فهُم بشكل أو بآخر يعتبرون اليهود شرًا يجب  التخلص منه. دائمًا لهم “غيتو” – أي حي اليهود – وربما هذا سبب من أسباب الكراهية؟  على عكس المسلمين، فقد كانوا دائما يندمجون، فأنت حين تسافر لا تستفيد من المجتمع فقط وتعمل على مخططك فقط ولكن بشكل أو بآخر..المسلم “أينما حل نفع”. وحتى في أسلوب دعوته للاسلام، مختلف في أسلوبه وأهدافه عن اليهودي كثيرًا. نعم فنحن  عندنا جاليات إسلامية، ولكنها لم تكن لخلق  العداء أو شحن المسلمين ضد المجتمع الجديد وحثّهم على عدم الاندماج، كما حاول اليهود ذلك دائمًا.

ولكن ما الاندماج؟ وصفه في الكتاب:

إنني أعني بالاندماج ليس فقط مجرد التطابق الظاهري في الملبس والعادات والتقاليد واللغة، ولكن أيضا في وحدة الشعور واﻷخلاق.

على أي حال، مسألة الاندماج أصبحت قضية لعدة أسباب، منها: التهديد الديني: سابقًا، كان الاندماج في التجارة والمعاملات بشكل أساسي. لذلك تسمع عن انتشار الإسلام في آسيا عن طريق التجارة مثلًا. أما اليوم،فإن الاندماج يشكّل خطرًا على الدين. ولا داعي لبيان هذا مرة أخرى، فقد استفضت فيه سابقًا في هذه السلسلة.  وذكر هرتزل أن طريقة من طرق دمج اليهود كانت عن طريق الزواج، الذي يؤدي إلى أشياء مرفوضة في اليهودية. كالزواج من نصراني مثلًا. فمهما حدث، هناك الكثير الذي ينافي عقيدتك كمسلمٍ لتتجنب الاندماج فيه اليوم.

التهديد الثاني: معاملتك كأقلية خطرة على المجتمع. عمل اﻹعلام والسياسة الدولية لتحويل المسلمين لفزاعة للكثير، وللمسلمين أنفسهم أحيانًا. فأنت إن لم تثبت ولاءك  لبعض الأشخاص بعدم اتباعك لدينك ، فلن يستأمنوك. حتى اﻵن، ورغم الجهد الإعلامي المذكور، ينجح المسلمون حول العالم في احتواء الناس، حتى بدينهم أحيانًا. ولكن، يبدو أننا نُجبر أن نصل لمشكلة الاندماج في بلادنا قبل الهجرة حتى.

التهديد الثالث: أنت أجنبي على أي حال. فأنت جئت إليهم كلاجئ أو هارب. لم تأتِ وأنت في كامل قوتك، لتصبح جزءًا منهم. فأنت في نهاية اﻷمر، لست منهم.

التهديد الرابع: هو الازدواجية. فمثلًا: لو قررت البلد التي هاجرت إليها القتال ضد أهلك ومن جئت منهم..ومن هم من أتباع دينك. كيف ستشعر؟ هذه الازدواجية تولّد الكره يوميًا مهما حدث. إلا لو كنت ممن يرفع راية “أنا ومن بعدي الطوفان”. وكذلك الضغط النفسي، عندما تسمع دعاية أحدهم مبنية على عدائك!

وعمومًا، مهما كان، فإن عدم الاندماج أحيانًا في مجتمع فاسدٍ خير لك من الاندماج. ولكن ذلك لا يعني صحة عدم الاندماج، ولا أنه  أمر سويّ، لكنك اضطررت إليه.

وعموما، مهما كان، عدم الاندماج أحيانا مع الفساد خير لك من الاندماج. ولكن لا يعني صحته ولا أن هذا مجتمع سوي. ففي نهاية اﻷمر في قصة أصحاب السبت، قضى الله على الفاسدين وأخرج الصالحين من عزلتهم وعدم أندماجهم.

وبهاتين النقطتين.. لا أنت اندمجت في المجتمع الجديد..ولا اندمجت مع المسلمين، بسبب الشتات.

تصورهم عن ذاتهم

وقد أوضح هرتزل كيف أن شتاتهم وعدم اندماجهم ولجوئهم الدائم لغيرهم حتى في الموطن يؤثر سلبًا على معرفتهم بذاتهم. فقال أن اليهود -يومها- يرددون: “إننا نعتمد في عيشنا على الشعوب المضيفة وإننا بدون دعمهم لنا نهلك جوعًا”. ورأى هرتزل هذه العبارة دليلًا على جهل اليهود بأنفسهم.

فهم لم يضطروا لتقبل الاضطهاد فقط، ولكنهم أصبحوا يبررونه ويرون أنه واقع عليهم لا محالة وأنهم لا يستطيعون العيش بدونه.

وعندما أحببت أن أسقط هذه النقطة علينا، لم أحتج إلى أي مجهود في الواقع. فقط أغلق عينيك لثوان وابدأ في عد كم التصورات الخاطئة عن أنفسنا والتي زرعت فينا. لن أستفيض باﻷمثلة في هذه النقطة، لوضوحها، وخوفًا من البكاء من العجز الذي وصلنا له في هذه النقطة تحديدًا، خارج وداخل البلاد.

لم يكن هذا كل شيء من أفكار كتاب الدولة اليهودية. النقاط القادمة أكثر خطرًا، وسنقرأها في التدوينة القادمة -إن شاء الله-.

شكر خاص لـخديجة أسامة على التدقيق والتحرير اللغوي.

Advertisements

One thought on “(6) الهجرة: الدولة اليهودية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s