عادة ما يتوه الناس ويختلفون  بين النتيجة والهدف. ففي الجامعة كمثال، نقول أن الهدف هو النجاح في المجال..أما درجات الاختبارات..ما هي إلا نتيجة تأتي بشكل زائد لمن ينجح. ولكن ما يحدث، أن البعض ينسى الصورة الكبرى والهدف اﻷساسي..ويجعل النتيجة الحتمية لهذا الطريق هي الهدف. فيخسر معها المعنى اﻷساسي للطريق.

هلمّ  إلى الرخاءِ

الرخاء في اللغة هو: سَعةُ العيش وحسنُ الحال. من الطبيعي أن لا يختلف اثنان على طلب الرخاء…إلا أنني أختلف. ولا أعرف أن كنت سأنجح في هذه التدوينة لتغيير قناعتك عن الرخاء كذلك أم لا.

معظم من أعرفهم يهاجرون في نهاية اﻷمر من أجل الرخاء..حياة ذات سعة وحال أفضل. أعترضت بشكل فكري  في التدوينات السابقة على أن مثل هذه النظرة بها من الفردية ما بها. ولكن في هذه التدوينة أحاول الرؤية من جهة أخرى.

المسلمين -غير أصحاب الأديان اﻵخرى- لا يحقّرون أمر الدنيا..بل تعيب عليهم بعض الأديان اﻵخرى تدخلهم في الحياة بشكل زائد يلغي الرهبانية المبتدعة في هذه الأديان. وعلى صعيد آخر يختلف العلمانيون مع المسلمين أخذهم الجانب الروحاني والشعائري للحياة. فلا يتفهمنا ذوو الأديان الرهبانية في “عمليتنا” وتوغلنا في الحياة..ولا يتفهمنا العلمانيون في روحانياتنا وشعائرنا. بالنسبة لهم أنت المعادلة الصعبة..والمرفوضة أحيانا بسبب الرؤية السابقة لهم لتعريف الدين.

وعلى أية حال، هذه مشكلتهم هم..يحاولون تصديرها لنا..ولكن ستظل مشكلتهم هم.

إذن فليس من المنطقي أن أقول لك أن اﻹسلام يطلب منك الرهبنة..وكره
الرخاء. لما قد يرفض اﻹسلام “سعة العيش وحسن الحال”؟

أن كانت مركزيتك الدنيا وكأنها هي الحياة الوحيدة، سيكون من المنطقي جدا أن تبحث عن الرخاء كهدف. فهي بضع أعوام ولا يجوز أضاعتها في أي شيء آخر. ولكن إن كانت مركزيتك حياة ما بعد الموت..وكذلك بالمنظور اﻹسلامي الذي  يجعل الدنيا مزرعة اﻵخرة. هل منطقي أن تكتفي بحياة الرخاء ببساطة كهدف؟

هل تظن أنك خُلقت ليكون لك بيت وأهل وعمل ومال تقضي كل يوم كاليوم السابق ببساطة فقط؟ ويكون كل طموحك في العالم..أن يزيد راتبك؟ أو أن تشتري سيارة جديدة

قد يكون هذا كافي..إن كنا في عالم مثالي..

ولكن مع نهاية اليوم في هجرتك، ربما تسمع خبر أو خبريين عن بعض الشعوب اﻵخرى..التي تُعاني جور وظلم حكامها..أو بعض الشعوب التي تعاني الفقر..الذي كان سببه توزيع الثروات اﻹنسانية بشكل غير عادل في حروب سابقة واستعمار مستمر..وربما يكون بسبب البلد التي هاجرت إليها. أو ربما لا تحتاج أن تتابع اﻷخبار..ولكن ترى كيف يفقد من حولك مركزية اﻵخرة..فتسمع ممن تعرف أو يعيش في البلد المهاجرة..كلام عن كيف أن الدنيا هي دار البقاء..وأن المتعة هي المحرك..أو أن ما لهذه الدنيا خالق..أو أن خُلقنا عبثا. لا يستقيم دينك مع هذا.

فمن خُلق ليكون في اﻷرض خليفة..كيف يكون هذا “هدفه” ؟..وهنا لا أقول أن الرخاء مرفوض..ولكن أهو نتيجة أم هدف؟ عندما حارب المسلمون الفرس والروم..هل كانوا يبحثون عن الرخاء حقا؟ غير منطقي بالمرة..نعم، نجاحهم في هذه الحروب أخذهم إلى الرخاء..ولكن هل كان هذا الهدف؟ إن كان هذا هو الهدف، فكيف تتجرأ أمة لا تزال في أعوامها اﻷولى أن تحارب مثل الفرس والروم..لتفقد كل ما تملك؟

تعرف كما أعرف، أنه كان جهاد. كما قال ربعي بن عامر لرستم الروم في بداية الحرب:

“الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام”

ليس من المنطقي أن يكون ما حركهم الرخاء. فإن كان يحركهم الرخاء ببساطة لكانوا سافروا كما سافرنا ليتأقلموا بين شعوب أخرى لها من الرخاء ما لها. لما كان “سلمان الفارسي” ترك فارس!

ربما ألغي بعض الخيارات أمامك فقط بدون توضيح ما هو الخيار المتاح..ربما يكفيني -حتى اﻵن- أن أنجح في تغيير ما بنيت عليه هجرتك. ربما إريدك أن تخجل عندما تسعى للرخاء بدلا من التصور القائم بأنها سبب كاف ومقنع.

ما أحاول التعبير عنه عبر عنه رسول الله بإيجاز:

يأتي على الناسِ زمانٌ يدعو الرجلُ ابنَ عمِّه وقريبَه : هلمّإلى الرخاءِ ! هلم إلىالرخاءِ ! والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوايعلمون . والذي نفسي بيدِه ! لا يخرجُ منهمأحدٌ رغبةً عنهاإلا أخلف اللهُ فيها خيرًا منه . ألا إن المدينةَ كالكيرِ ، تخرجُ الخبيثَ . لا تقومُ الساعةُ حتى تنفي المدينةُ شرارَها . كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديدِ

الراوي : أبو هريرة المحدث : مسلم

المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1381 خلاصة حكم المحدث :صحيح

أليس هذا ما نتحدث عنه؟

المدينة تعبر لي عن مركزية اﻹسلام..مركزية أن تكون في ضمن حلمك الخاص..المجاهدة..العمل ﻷهدافك لا أهداف العدو..أو أن يكون لك أهداف أصلا!

ولكن..ألم تسمعهم يقولون   “هلم إلى الرخاءِ !” ..

ألم تسمعهم يتحدثون عن أنهم خُدعوا ..وأن هناك تجد رغد العيش؟
بل ألم تسمع نفسك؟ بعد أن هاجرت وأنت تتحدث بمركزية مختلفة تماما؟ ..

على أية حال، “والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوايعلمون . والذي نفسي بيدِه ! لا يخرجُ منهم أحدٌ رغبةً عنها إلا أخلف اللهُ فيها خيرًا منه”

Advertisements

One thought on “(9) الهجرة: الرخاء

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s