رمضان هذا، مختلف وبلا أي شك. الكثير من الدعوات قد تحققت، ويبدو وكأن كل شيء قد تغير حتى أنفسنا. منذ بداية رمضان وأنا أمضي في خطة رمضان، ويبدو كل شيء أفضل. في رمضان هذا، كل شيء يبدو حسنا، أكثر روحانيا وأقرب إلى الله؛ خصوصا وأنني بعدت عن مواقع التواصل اﻹجتماعي، فلا أدري ما يفعله عامة الناس. فما بين اﻷهل والصحبة -الصالحة والمحببة إلى قلبي جدا- والعمل والسعي الشخصي، يبدو رمضان أكثر أتزانا وأقرب للمعنى الذي خُلق له. لا أحباطات من رؤية عامة الناس يسعون للمنكرات أو حتى إلى مجرد الغفلة.

وفي رمضاني هذا، أقرأ كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم. وفي باب عن الشكر، ذكر الكثير عن كيف هو حال العبد الشكور. من أظهار نعمة الله عليه وشكره عليها في كل وقت وحين. ما كان عكس ما يقوله عامة الناس، هو فكرة أظهار نعمة الله عليك. فنحن في عالم مهوس بفكرة الحسد والحقد. فبعد ما قرأت هذا الجزء في الكتاب، بدأت أتفكر في نعم الله علي، وكأنني يوسف وهو يقول: “وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”. فأصبحت أعد النعمة بعد النعمة..بشعور “وقد أحسن بي”..

استمرت هذه الفكرة معي منذ أن قرأتها. فأصبحت مشغولة بتأمل إحسان الله بي، فكل حديث مع أحدهم يذكرني بنعمة أخرى. فبينما أنا أتحدث مع أحدهم، ذكر فكرة أنشغال الناس بالمسلسلات وكيف أنها بلا حياء وأنها لا تتخيل كيف يشاهد الناس مثل هذا في رمضان بدلا من التراويح. تذكرت حينها: “كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ”..سبحان الله، والحمد لله على نعمة النسيان. ذكرتها أن في الواقع، كنا نشاهد مثلهم في يوم من اﻷيام ولم نكن تشعر بأي مشكلة أو خلل. وهنا شعرت مرة أخرى ب”وقد أحسن بي”…

قد أحسن بي ربي، إذ غيرني بلا طلب مني ولا نية. وإذ دلني وألقى في قلبي ما قد ألقى..

وبينما أنا أتذكر معها كيف قد أحسن بنا ربنا، بدأ نقاش عن أن كان اﻷمر هو اجتهاد شخصي أم رزق..شعرت أن والله..لو كان أراد أحدهم أن يغير حالي وأنفق ما في اﻷرض جميعا، ما كنت ﻷتغير كما تغيرت! في الواقع، لو كنت  أنفقت ما في اﻷرض جميعا ما كنت ﻷنجح في تغيير من كانت تجادلني في أن الطبيعي أن لا يرى اﻹنسان مثل هذا في رمضان..بأن تقول هذا! أتذكر هذه اﻷيام التي كنت أدعو فيها أن ترى هي هذا ويتغير الحال!. ولله الحمد.

هنا خرجت من فكرة وقد أحسن بي ربي، لفكرة ولو أنفقت ما في اﻷرض جميعا. أفكر من وقتها في كل دعوة تحققت ما كانت لتتحقق ولو أنفقت ما في اﻷرض جميعا.

كيف بدأ كرهي للتلفاز مثلا؟ لو أنفق من حولي ما في اﻷرض جميعا ﻷتغير في هذا اﻷمر ما نجحوا! كيف نجحت في الدراسة ودخلت المجال الذي أحبه؟ لو أنفق أهلي ما في اﻷرض جميعا ﻷتوقف عن العبث في التعلم وأضع أهداف وأنجح..ما كنت ﻷتغير بهذا الشكل! كيف توقفت عن أكل السكر وتغيير نظام أكلي في أقل من عام بهذا الشكل؟ لو أنفق أهلي ما في اﻷرض جميعا وذهبت لأطباء العالم، ما كانوا ليغيروا حبي للسكر!..وهنا تذكرت من يعانون من السمنة، أو من أمراض لن تقل أثارها إلا بتغيير نظام اﻷكل، ومع ذلك وهم ينفقون الكثير من المال، لا يتغيرون. فلو أنفق اﻹنسان ما في اﻷرض جميعا من مال وطاقة..ما تغير في أبسط اﻷشياء!. لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا ﻷحدهم ليأتي لي بصحبة طيبة كصحبتي، ما كنت ﻷجدها بهذا الجمال! الكثير من اﻷمور، لا تأتي بما نملك. وأصبحت أفكر في كل ما كنت أعتبره من إحسان الله بي..مرة أخرى ولكن كيف أنه أغلى مما في اﻷرض جميعا! فحتى ما في اﻷرض جميعا ما كان يحققه.

أخذت هذه الفكرة معي لصلاة التراويح، وبينما اﻹمام يدعو في وتره، تذكرتها بقوة. في هذه المرة دعوت بكل ما أطمع وأنا أعلم يقينا أنه لا طريق ﻷي شيء إلا به!

يا رب، لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا ﻷصرف عن نفسي السوء، ما فلحت! ولكنك تصرفه!

يا رب لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا لأهدي من أحب وسعيت كل السعي، ما فلحت! ولكنك تهديه!

يا رب لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا، لترزقني صحبة اﻷخيار،  ما وجدتهم ولا عرفت عنهم شيء، ولكنك الرزاق!

يا رب لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا ﻷجد الثبات في اﻷمر والعزيمة على الرشد، ما فلحت وهي نفسي! ولكنك ترزقني!

يا رب لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا من قوة ومال لتربية ذرية صالحة، ما فلحت! ولكنك من يوفق إلى الخير ويحفظه!

يا رب لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا ليحبني من أحب، ما ملكت من قلبه شيء! ولكنك ترزقني حب من تشاء!

يا رب لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا لأسعد من أحب من أمي وأهلي وصحبتي..ما أسعدتهم!..ولكنك تسعدهم!

يا رب…لو أنفقت ما في اﻷرض جميعا..ﻷغير ما ببلادنا من حال، ما تغير! ولكنك تغير الحال واﻷحوال..

وأصبحت استشعر كيف أن كل ما أتمنى بين يديه! نحن لا نضمن سعادة، ولا هناء، ولا صحبة، ولا حفظ من السوء..ولا أي من ما يحدث لنا أو نفعله حتى!..إلا بإذنه! والكثير من المستحيلات في نظرنا، ممكنة ومحققة بين يديه.

فالحمد لله، الذي جعل فقرنا بين يديه غنى. عنده خزائن كل شيء. فتتحول الدعوات كلها..ل”ولكن الله ألف بينهم”! بهذه البساطة، بلا حسابات، بلا منطق، بلا واقعية مفرطة، بلا عجز…فقط بحوله وقوته. وما لنا إلا أن نتبع سببا!

ادع يا صديق، لعل بينك وبين المستحيل دعوة! ادع لغيرك، ادع للمرضى، ادع للمظلومين، ادع للمهموين، ادع أن يردنا إليه ردا جميلا، ادع أن يغير حال بلادنا لما يرضيه عنا، ادع بأن يغفر لمن ضل، ادع بكل ما تعجز عنه أنت بحولك وبقوتك، ولا يعجز عنه هو. قد لا نملك ما في اﻷرض جميعا، ولكنه رزقنا الدعاء، ووعدنا بالاستجابة، ادع بكل ما ظننت أنه مستحيل، ولا تنس أن تدعو بأن يألف الله بين قلوبنا.

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
~ سورة اﻷنفال
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
~ سورة البقرة

إنَّ ربَّكم حييٌّ كريمٌ يستحيي من عبدهِ إذا رفعَ إليهِ يديهِ أن يردَّهما صِفرًا

الراوي : سلمان الفارسي | المحدث : ابن حجر العسقلاني | المصدر : تخريج مشكاة المصابيح

الصفحة أو الرقم: 2/413 | خلاصة حكم المحدث : [حسن كما قال في المقدمة]

Advertisements

2 thoughts on “لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s