أفكر كثيرا في طرق تعامل الناس مع المال في بلادنا. متى يدخرون، لم يدخرون، متى يقرروا أن يكونوا تحت رحمة دين سواء (جمعية كما يسمونها في مصر) أو دين صريح ومتى ينفقون؟

في السابق كان التفكير في هذا اﻷمر عابر وليس بالعمق المطلوب ﻷن ببساطة لم يكن لي أي مصدر دخل غير مصروف أهلي، الذي عادة كان يُصرف كله. لست من محبيين اﻷدخار من صغري. ولكن بعد أول عمل لي، أصبح هذا اﻷمر جدير بالتفكر. هل أصرف كل ما أحصل عليه؟ أم أدخر؟ وكم أدخر ولمَ؟ وإذا صرفت فيما أصرف.

أصبحت أشعر بالمسئولية أكثر ﻷنه مالي الخاص من جهة، وﻷنه ما أفني وقتي في الحصول عليه. فأشعر ولابد أنني سأُحاسب عليه. إذا كنت ممن لم يرزقوا سعة من المال، لا داعي لاستكمال التدوينة. فهي لمن عندهم سعة من المال يدخرونه لمتطلبات غير أساسية للحياة والموت. فإذا مثلا كنت تدخر لشراء مسكن، مأكل ..وما شابه ذلك، هذه التدوينة ليست لك. أما إن كنت تدخر لرفاهيات كهاتف جديد مثلا، أو كاستعداد ﻷي احتياج مستقبلي، فهذه التدوينة لك.

أعرف الكثير ممن يدخر الكثير من اﻷموال، خصوصا كبار السن. وعندما قررت أن أسألهم لِمَ تدخرون هذه اﻷموال كانت اﻹجابات كلها حول فكرة تأمين المستقبل، تأمين أن لا نحوج ﻷحد عند المرض، مستقبل اﻷطفال، استثمارها في المستقبل، أو مجرد حتى احتمالية أنهم قد يحتاجونها في يوم من اﻷيام. وهذا في الغالب يحدث وصحيح. اﻹدخار في حد ذاته جيد في معظم حالاته بشكل “فردي“.  وأحيانا بشكر مجتمعي إذ كان هذا الشخص ناجح في الاستثمار وفي هذه الحالة لم يصبح إدخار فردي على المدى الطويل.

أجد بعض العائلات المقميين في الخارج يشترون شقة تمليك هنا ويجهزونها بكل اﻷثاث، بل وأحيانا المتزوجين الجدد المغتربين كذلك. يشترون شقة بأثاثها هنا في مصر. بل وتصر العائلات على هذا حتى وإن كانوا لن يأتوا إلا أسبوعين في السنة وكان السكن مضمون في البلد المهاجر إليها. ومعظم هذه الشقق لا تُأجر حتى في فترة سفرهم للربح خوفا على اﻷثاث وعلى إن تأجيرها صعب في عدم وجودهم وهم يحتاجونها في اﻷسبوعين سنويا. أجد هذا اﻷمر غريبا جدا. وعندما سألت عن ما الداعي لحبس ملك كهذا خصوصا عندما يكونوا غير قادرين عليه ويلجؤا للدين أو تضيق الحياة في جهات أخرى من أجله..وكانت اﻹجابة ببساطة، الزمن. لا تضمني ما قد يحل. ربما يضطر المتزوجين للعودة بشكل مفاجيء فيحتاجوا لهذا المنزل وبدونه لا يجدوا مأوى.

رأس المال الثابت هو إذا. ولكن ما مجموع الخسارة في حالة أن استغنوا عن هذه اﻷموال التي قد يحتاجونها في أمور أخرى في الحاضر للأبد..خوفا مما قد يكون في المستقبل؟

أفكر في كل مثال يقوم به أهل بلادنا مع المال. حتى الفقراء، يكنزون الذهب إذا أستطاعوا. تجدها لا تجد ما تأكل أو تشرب ولكن تهتم بالتكنيز، خوفا من المستقبل. أحيانا أرى ما يفعله الناس طمع وبخل. وأحيان أخرى أراه كما يوضحوا لي أنها خطة ورؤية للمدى البعيد.

ولكن ما أفكر فيه حقا هو إذا كانت الحاجة للمال ضرورية اﻵن، هل يكون اﻹدخار خيار؟ خصوصا هذا النوع من الادخار الذي يحبس المال للتوريث، أو يخزن المال بشكل فردي غير متادول في أملاك وذهب ومؤخرا في أجهزة وأشياء لن تدوم قيمتها حتى.

وهنا وُضعت في إشكالية أخرى وهي ما الضرورة. في عالمنا هذا، أصبحت الصدقة ضرورة. فهذا مات ﻷنه لم يجد ثمن الدواء، وهذا مات عطشا ﻷنه لم يجد ماء. وهذا لم يتعلم ﻷن ليس هناك مدرسة تعلمه في بلده، وهذا لم يصله اﻹسلام، ﻷن دعوته كانت تحتاج لمشروع يحتاج للمال، وهذا..وهذا…

أرى كل الصدقات المتاحة التي تحتاج للمال، ثم أنظر لراتبي…وأفكر هل أتبرع به كله؟ ثم يحضرني الوعظ المجتمعي عن المستقبل، التخطيط له، الرؤية الطويلة المدى…الندم بعد فوت المال، ما قد أفعله بالمال عندما يكون أكثر، الامتلاك..وكل ما يفكر به الناس عندما لا يتخلون عن المال المدخر.

ثم أفكر، إذا كان هذا الشخص الجائع مثلا، أخي -حفظه الله وعفاه- هل كنت سأفكر؟ إذا كان ابن لي، هل كنت سأفكر؟ إذا كان أنا، هل كنت سأفكر؟ لا أعرف كيف، ولكن أشعر أن كل البشر من عائلتي فعليا، أو في الواقع أنا لا أعرف كيف لا يشعر غيري بذلك. كيف يرون أن هناك أفراد محددون هم اللذين لا نتقبل أن نراهم يتضرعون جوعا أمامنا ونتخلى أمامهم عن كل ما نملك. وأشخاص أخرون..لا نشعر تجاهم إلا بالشفقة والدعاء..ونحن معنا ما يشبعهم!

ثم يوقفني صوت أحدهم، بقول أنتي تدخري في الواقع لتحفظي نفسك من هذا مستقبليا. وربما الجوع ليس مما أخاف، رغم أن لا يجوز أن نأمن مثل هذا. ولكن منذ أيام كان يجمع أحدهم المال لمريض سرطان. ففكرت في الحالتين كالعادة..حالة إن كان هذا الشخص أنا أو أحد أحبه، هل كنت ﻷطيق أن لا أعطيه كل ما أملك حتى أراه بخير؟ ثم جائني الوعظ اﻷخر، وهو ماذا عن من تحبين فعلا في المستقبل. قد يحتاج هذا المال. وفي هذه اللحظة فزعت في الواقع. بفكرة أن ربما إذ كان لديه المال لم يكن ليحتاج للصدقات. أنا أعرف مرضى سرطان غيره، لم يحتاجوا لمال غيرهم ﻷن كان عندهم مال مدخر لمثل هذا اليوم. ولكن أليس جنونا أن أتوقع حدوث مرض كهذا مستقبليا وأدخر مال له؟ ولكن أليس هذا ما يفعله الناس مع كل مخاوفهم؟

اﻷمر هنا  كله يدور حول خوف القدر. أنت تخشى ما قد يحدث لك، فتتمسك بالمال. مرة آخرى لا أتكلم عن الخطط الحقيقة ولا الرؤية طويلة المدى بحق لاستثمار أو غيره. أنا أتكلم عن  المال المدخر للوصول لخوف القدر تحديدا!.

فكرت يومها، ماذا لو أصبت بالسرطان في خلال سنة. سأحتاج هذا المال بلا شك، بل وأكثر منه بكثير. ولكن ما هي أفضل طريقة ﻷجد هذا المال وقتها. هل أدخار المال فعلا هو أفضل طريقة؟ أليس ما يهمني هو وجود المال عند الحاجة؟ أتمنى كثيرا أن أجد طريقة سهلة ﻷقرض المال لغيري حتى أحتاجه. فأضمن أن يستفيد به غيري في الوقت الذي لم أجمع القدر الذي احتاجه لشراء شيء أو مشروع أو أي كان، بدلا من حبس المال. ولكن هذه المرة فكرت في إقراض من معنى أعمق. وهو إقراض الله ولولا أن الله قالها لاستحييت أن أقولها.

خوفا من السرطان الذي قد أمرض به في أي دقيقة كما مرض به غيري أقرض هذا المال. وفي هذه اللحظة تحول خوف القدر ﻷمن وثقة بالله. فأعلم أن الله هو من قال: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”. فاﻷمر لن يكون فقط أنني سأقرض المال ﻷحدهم حتى وقت الحاجة. ولكن أيضا يعود لي القرض بأضعاف كثيرة جدا!..والله أكرم اﻷكرمين. وهو يبسط ويقبض وعلى أيه حال إليه نرجع ولا نملك من أمرنا شيء أصلا! ولا  أخشى لثانية كما أخشى مع الناس، أن قد لا يُرد لي عند حاجتي له. ولا أخشى -عفوا- النصب وأن أخسر المال للأبد. لا أخشى أي من هذا مع الله. وعده حق سبحانه، بل هي تجارة لن تبور!

بل وفوق هذا، أنا قد أقرضت من يملك أمور الدنيا كلها. فمن يدري ألم يكون قد يكون مقدور لي أن أصاب بسرطان فبهذا القرض الصغير، يؤخر القدر أو يبدل؟ ألم يقول رسوله داووا مرضاكم بالصدقة؟ أليس من الرؤية المستقبلية حقا والخطط طويلة المدى أن نداوي المرض قبل أن يحل بنا؟

أتمنى كثيرا بل وأدعوا الله أن أكون في هذا العالم الذي قد يبيع فيه أحدهم سكنه ويشتري بيت أصغر يكفيه ليقدر على شراء سكن لغيره معه!. أتمنى أن أجد هذا العالم الذي يرحم فيه الغني الفقير. الكل يبحث عن التكاثر، بيت أكبر، ممتلكات أكثر..ولكن متى نبحث عن الاكتفاء، فتكون الزيادة قرض وتجارة مع الله لا تبور!.

فإذا طمعنا في بيت أوسع، أقرضنا الله مالا يرده علينا في الفردوس. فبدلا من أن تشتري قصرا من قصور الدنيا. تشتري منزل صغير يكفيك أنت وعائلتك، وتوسع على غيرك معك؟  أليس هذا ما فعله الأنصار مع المهاجرون عموما؟ ماذا لو تعاملت مع كل ما تخاف في المستقبل بهذه الطريقة؟ أن تقدم لله قرضا يحفظه؟

ربما هذه طموحات عالية جدا لما وصلنا به من بخل وخوف قدر في بلادنا. ولكن أرى هذا هو اﻹيمان بالغيب..مما يكون بلا أي شك في إيماننا بالله. عالم متصل باﻵخرة.

فأنت إن قررت السفر لبلد لعامين فقط لتكوين نفسك كما يقولون وعلمت أنك سترجع بلدك لتعيش فيها. أدخرت كل ما تملك لبلدك. فتشتري اﻵثاث، الشقة كل شيء في بلدك..وتعيش على الكفاف في غربتك. ﻷنك تعلم أنك ذاهب لا محالة. فكيف بدنيا ما تعادل يومين من خلود اﻵخرة؟ كيف نكنز هنا؟ ولا ندخر لهناك؟

كلما ملكت مال، أرسله إلى بيتك..إلى دار خلودك. أما هنا فالله الرزاق ومن تتاجر معه، فلن يخذلك.

وأخيرا، الكل يكلمك عن الحكمة، أهمية اﻷدخار في الدنيا، الامتلاك، ..فلا تحرمني من فرصة أن أتكلم معك على النقيض تماما. أعلم كل الردود والمخاوف التي قد تقولها لي. بل وأعلم أن التصدق بكل ما تملك قد يكون من عدم الحكمة لك. ولكن ماذا عن 10%؟ ماذا عن 20%؟ أنت أدرى بما تريد أن تحتفظ به ﻵخرتك.

وربما هذه فرصة لتفتح حساباتك، وترى ما تدخر وما هو عندك فوق الحاجة ووصل إلى حد الرفاهية المطلقة التي لا تليق بالدنيا. وتفكر كيف ستثمر هذا المال في تجارة مع الله، وفرصتك رائعة أن قرأت هذا في رمضان.

في النهاية أحب هذا الحديث كثيرا:

“عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي منها ؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: بقي كلها غير كتفها”

(رواه الترمذي: 2470 وصححه الألباني).

اﻵيات واﻷحاديث عديدة في الواقع: “وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” و “وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ” في اﻵيات..وفي اﻷحاديث “ما نقص مال من صدقة”، “يأتي العبد يوم القيامه تحت ظل صدقته” والكثير غيرهم. ولكن أليس التدبر الحق هو أنزال هذا إلى واقعنا؟

وأخيرا، إذا كنت ممن ليس لديهم مال وليس لديك هذه السعة التي وجهت لها أفكاري..ومع ذلك أكملت هذه التدوينة. فهذا الحديث لك، ولكل من قرأ:

“على كل مسلم صدقة . قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق . قالوا : فإن لم يستطع أو لم يفعل ؟ قال : فيعين ذا الحاجة الملهوف . قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : فليأمر بالخير ، أو قال : بالمعروف . قال : فإن لم يفعل ؟ قال : فليمسك عن الشر فإنه له صدقة” ~ محمد رسول الله (صحيح بخاري)

*لم أتصدق بكل ما أملك ولا أملك إلا اليسير في الواقع، هذه التدوينة هي لنشر تدبر لي في اﻷمر…حتى وإن كنت أفشل في تطبيق ما أفكر فيه أحيانا وإن كنت لا أملك من المال والسعة ما قد يظهر في ما كتبت. غير أن الله الرزاق الكريم وهو الستير كذلك. الحمد لله.

Advertisements

2 thoughts on “قَرْضًا حَسَنًا

  1. حلمت حلم سمعت فيه كلمة “قوة الليل والنهار” فبحت على الانترنت عن الكلمة هذي فوجدت موضوع لك وجرني البحث من مكان لآخر حتى وصلت لهذا الموضوع الشيق الي يبين بعض المعاني عن قوة الصدقة وان الادخار الحقيقي والمفيد فعلا هو الادخار للآخرة..

    في التعليق هذا كتبت نصف الحقيقة والنصف الاخر ليس لا استطيع ان اجعله عام ويطلع اليه كل من قرأ الموضوع..

    شكرا وجزاك الله خير على هذا الموضوع الرائع

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s