يطمعُ الكثير في نيل الرحمات، ولكن، لا يسعى لها إلا القليل. إنّ من طرقٍ تهذيب  النفس وترويضها، ومن أساليب السعي للتغيير، هي أن تتقمصّ ما تريده.. حتى يترسخّ فيك ويصبح جزءًا لا يتجزأ منك.

من الدروس التّي تعلمتها في بداية يَقظتي، أنك إن أردت أن تكون من الناجحين.. فعليك أن تعيش حياة الناجحين. هذا الدرس رغم بساطته يفشل في استيعابه الكثيرون، فيتمنى الواحد منهم حصول مطلوبه، ووصول مُراده، دونما عمل وسعي. هل سبق وسمعتم بطالبٍ خرج في يوم تكريمه ونيل شهادته،  ليقول للناس أن نجاحه كان محض صدفة، وأنه نال هذه الدرجات العلا دون أن يبذل مجهودًا! بل حتى وإن قالها، سيرفض الناس تصديقها، لأننا جميعًا في دواخلنا نعلم يقينًا أن النجاح لا يأتي دون سعي، والنتائج لا تأتي دون عملٍ بالأسباب، لا تأتي الإنجازات العظيمة من الركون إلى الكسل والاستغراق في أحلام اليقظة، فالأماني بضاعة الحمقى، ورأسُ مال المُفلسين.. وإن كنا نغفل عن هذه الحقيقة كثيرًا.

كان مثال هذا الطالب يسلّيني كثيرًا في أيام دراستي، حينما كنت أصاب بالإحباط والتعب، وأريد أن أهرب إلى اللعب، في وقتٍ لا يحتمل إلا الجدّ والاجتهاد.. كنت أذكّر نفسي به، كيف أطمح أن أكون من الناجحين، وأنا لا أعيش حياتهم ؟! فإني وإن لم أكن منهم.. فعلى الأقل سأتشبّه بهم، فمن تشبه بقومٍ أوشك أن يكون منهم، وإنما ندرك النجاح بالسعي إليه. وإذا كانت النفوس كبارًا، تعبت في مرادها الأجسامُ. وحياة الناجحين في نظري لا تشمل فقط الجدّ والاجتهاد، بل ومرونتهم في التكيّف مع المتغيرات والطوارئ، وطرق تعاملهم مع الإحباط ونهوضهم بعد العثرات.

كيف تكون وَلِيًّا؟

إنَّ اللهَ قال : من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ ، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه ، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه ، فإذا أحببتُه : كنتُ سمعَه الَّذي يسمَعُ به ، وبصرَه الَّذي يُبصِرُ به ، ويدَه الَّتي يبطِشُ بها ، ورِجلَه الَّتي يمشي بها ، وإن سألني لأُعطينَّه ، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه ، وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه ترَدُّدي عن نفسِ المؤمنِ ، يكرهُ الموتَ وأنا أكرهُ مُساءتَه

الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري

الصفحة أو الرقم: 6502 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | شرح الحديث

أسمع الوعّاظ وهم يفسرون هذا الحديث، والعامة وهم يحثّون بعضهم على أداء الفرائض والإتيان بالنوافل مستشهدين به.. لكنني قليلًا ما أسمع أحدهم يشرحه من هذا المنطلق، ويذكّر بهذا الهدف: كيف لنا أن نحيا حياة أولياء الله.. حتى نصل إلى مكانتهم، ماذا أعني؟ يختزل الناس معنى الحديث كاملًا في الحثّ على الفروض والنوافل، بالصلاة والصيام في الغالب، ولا ينشغل معظمهم بفهم الحديث كاملًا.

يريد البعض أن يستيقظ في يومٍ وليلة ليجد نتيجة هذا الحديث متحققةً في الواقع، دون أن يعلم حتى ما يعنيه ذلك..! فما معنى أن يكون الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصره به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؟ وربما لا يهمّه كثيرًا ما تعنيه.. ما دام سيصل إلى “وإن سألني لأُعطينَّه ، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه“، هذا الجزء من النتيجة التي يطمع به وحده، كما يطمع الطالب في النجاح، دون أن يتحمل عناء السعي أو عيش حياة الناجحين بكافّة أحوالها.

هذا الحديث، لا يدعو إلى الفروض والنوافل المختزلة في  صلاة منقطعة عن الحياة، وصيام كثيرٍ لا يتحكم بحال صاحبه فقط..وإن كان قدرهما جدّ عظيم. مثلما أن النجاح الدراسي ليس هو طول ساعات المذاكرة فقط! وإلا فكلّنا أولياء الله. وإلّا فكلّنا ناجحون. إنما يدعو هذا الحديث  -في فهمي العاميّ القاصر- أن أعيش حياة من كان الله سمعه وبصره ويده ورجله!

فإن كنت تريد أن تكون من أولياء الله الصالحين، فعليك أن لا تسمع إلا ما قد تتجرأ على سماعه في حضرة الله، إلا ما ستتجرأ أن تدّعي أن الله يحب سماعه..وهذا لو علمت عظيم!

إن كنت تريد أن تكون من أولياء الله الصالحين، فعليك ألا تبصر إلا ما هو منزهٌ عن الفحش ومزيّنٌ بمعايير الجمال الإلهية، لا الشيطانيّة. عليك ألا تبصر بعينِ الغافلين عن: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا.

إن كنت تريد أن تكون من أولياء الله الصالحين، فعليك أن لا يكون لك يد إلا في الحق!..يد لا تعمل إلا لله وبالله..يدٌ يرى كل من يراها أنها يد الله في الدنيا. ألم يقل “يده التي يبطش بها“؟ كيف تريد أن تكون يدك..هي يده التي يبطش بها.. بينما يدك تبطش عدوانًا وظلمًا؟ أو استهتارًا..أو تكون يدًا تبخل ولا تعطي..أو يدًا تمنُّ على غيرها؟ 

إن كنت تريد أن تكون من أولياء الله الصالحين، فلا  تمشِ في الأرض مرحًا، ولا تمش إلا فيما يرضيه -سبحانه-. فلا تمشي إلا كما يمشي عباد الرحمن

أما إذا كنت لا تريد حياة كتلك، فكيف ستكون منهم؟! وكيف تظن أنك في يوم وليلةٍ ستسيقظ لتصبح منهم وأنت لم تسعى لتكون على حالهم؟ أتطمع في امتيازاتهم وأنت لا تريد حياتهم؟ مسكين! ولو اهتديت..لعرفت أن خير ما يميّز هؤلاء..هو  اتّصالهم الدّائم بالله، وكونهم في معيّته.

ومن هذا، تدرك الفرق بين الساعي والمجادل. ففي مثال المذاكرة، تجد دائمًا حال من يطمع في نتائج الناجحين ولا يرغب بأن يكون في مثل حالهم، يسألك..كم عدد الساعات التي يجب أن أذاكرها؟ ويضيق ذرعًا بكل إضافةٍ تضيفها له، قد تغيّر من حاله، ويجادل في أنه لا حاجة لهذا أو هذا..ويجادل ﻷنه ببساطة لا يفكر إلا في الامتيازات التي يريد أن يصل إليها. ثم تجده في نهاية العام، يبكي على اللبن المسكوب، والمجهود الضائع..وكيف أنه عمل واجتهد ولكن لم يجد لاجتهاده أثرًا. أما الناجح حقًا، فتراه كالظمآن الذي لا يرتوي، يريد المزيد، يريد أن يعرف أكثر، يتعلّم أكثر، هو ببساطة يعيش حالهم من الشغف والعمل. هو لا يركن إلى أقلّ القليل، إنما يسعى بروحه إلى العلياء، ليجاور النابغة والعلماء.

كذلك ولي الله، يُخرجه الله من الظلمات إلى النور. لا يجادل ليحل ما حرم الله ولا يبحث عن مخرج عما شرع الله لعباده. لا يطمع في مكروه بحجة أنه ليس محرم، ولا يجادل العامة قبل العلماء..ليجد لنفسه موطنا في من لم يصدق النية ولم يسعى لحال يليق لحال اﻷولياء. أنما حاله، حال من استحى من الله. فيسأل “إن كان حاله حال أولياء الله”. فلا يُسرف في مباح، ولا يقترب من مكروه وحينها يتقرب إلى الله بما فرضه عليه وبالنوافل. تقرب حال وعمل.وما الحياء إلا كما وصفه رسول الله:

استحيُوا مِنَ اللهِ حقَّ الحياءِ، قالوا : إنَّا نستحْيِي مِنَ اللهِ يا نبيَّ اللهِ ! والحمدُ للهِ ؛ قال : ليس ذلك، ولكنْ مَنِ استحْيَى مِنَ اللهِ حقَّ الحياءِ ؛ فَلْيَحْفَظِ الرأسَ وما وَعَى، وَلْيَحْفَظِ البطنَ وما حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الموتَ والبِلَى، ومَنْ أراد الآخِرَةَ ترك زينةَ الدنيا، فمن فعل ذلك ؛ فقد استحْيَى مِنَ اللهِ حقَّ الحياءِ

الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : الألباني | المصدر : تخريج مشكاة المصابيح

الصفحة أو الرقم: 1551 | خلاصة حكم المحدث : حسن لغيره

فمن استحى من الله، يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى ويذكر الموت والبلى. فلا يعيش سبهللًا، ولا يكون إلا حيث يرضي الله أن يكون.

وما أجمل أولياء الله، تراهم فتتذكر الله. وكيف لا تتذكره عندما تراهم..وهو سمعهم، وبصرهم، ويدهم، ورجلهم..ولولا أنه –سبحانه وتعالى- أقرّ هذا في الحديث القدسي..ما تجرأ أحدنا أن يدّعي مثل هذا، لعظمته. فأفعالهم تكون على ما يرضيه. فاللهم ارزقنا العمل بحالهم، والوصول لمرتبتهم.

شكر خاص لـخديجة أسامة على التدقيق والتحرير اللغوي.

Advertisements

2 thoughts on “كيف تكون وَلِيًّا؟

  1. ! الله يفتح عليكي

    هذا الحديث، لا يدعو إلى الفروض والنوافل المختزلة في صلاة منقطعة عن الحياة، وصيام كثيرٍ لا يتحكم بحال صاحبه فقط..وإن كان قدرهما جدّ عظيم. مثلما أن النجاح الدراسي ليس هو طول ساعات المذاكرة فقط! وإلا فكلّنا أولياء الله. وإلّا فكلّنا ناجحون. إنما يدعو هذا الحديث -في فهمي العاميّ القاصر- أن أعيش حياة من كان الله سمعه وبصره ويده ورجله!

    لاسف في فهم للدين انه دروشة و عدم الاخذ بالاسباب و ان جزئ من الدعوة هو النجاح , وهو انك تكون الاسلام
    يمشي علي الارض بس تفسير معني كلمة النجاح هنا نسبي ومتغير من شخص لتاني في حين انا بحب مفهوم الفلاح , بشوف انه اعم و اشمل من النجاح ( راي شخصي) واللاح بيكون علي مستوايات كتير بنسب نجاح متفاوته

    وفي مصر كتير من النماذج المشوشه للاسف وبعد الدين عن الحياة ومعا الفساد الاجتماعي و السياسي و الاخلاقي الناس بتحب تهرب من الحياة بالدين او بتهرب من الدين بالحياة سبحان الله ومفهوم الخليفة في الارض بيختفي

    برضوا الصحبة هنا من اهم الاسباب والرسول عليه الصلاه والسلام شدد علي الصحبة و علي دين صاحبك

    Liked by 1 person

    1. أتفق معك على أن لفظ فلاح كان أولى من نجاح. وجزء من المشكلة أن الناس تسعى للنجاح دون الفلاح، حيث الفلاح يتطلب عملا لا محالة.

      وأزيد أنه بداية المشكلة في الدنيا عند الناس، هو فشلهم في تعريف الفلاح (أو حتى النجاح) بشكل صحيح. فيسعون للهاوية بأنفسهم.

      أشكرك على القراءة.

      Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s