أغدًا ألقاهم؟

وكل شيء يذكرني بهم، وإن كنت لا ألقاهم فأنا ألقاهم وإن كنت حُرمت من وصل الدنيا، إلا أنني لا يمر يومي بدون وصلهم بخيالي. أحاول أحيانا التخلص من هذا، ولكن وكأن كل شيء موصول بأهل المحبة.

عندما أجد ذكرهم في القرآن، يتعلق قلبي وأتمنى لو أنني كنت معهم وكانوا معي. أشعر بحرمان غيابهم، وأدعو الله في كل حين أن يعوضني عن حرمان الدنيا، بكمال اﻵخرة.

فأقرأ القرآن، ﻷتمنى لو أنني سمعته بصوته – عليه الصلاة والسلام -. ثم أذكر الله كما ذكره نبيه، فأتمنى لو أنني أراه من بعيد خلسة وهو يذكره، ثم أسأله وأنا جارية صغيرة وقتها في خيالي، أن يعلمني دعاء لم يدعو به غيري من قبل يرضي عني ربي. ثم أقوم للصلاة، فأشتاق وما أشد شوقي هذا، للصلاة..كما رأيته يصلي. فيالتني رأيت. وإن صليت جماعة، أتذكر نعمة أحاطت بصحابة الرسول، وأتخيل كيف كانت ستكون الصلاة وراء رسول الله، كيف كانت تلاوته..وكيف كان صدقه.

أسمع أحاديثه في عقلي، له صوت في قلبي ليس لغيره، فأتنهد داعيا أن لا يحرمني الله من سماع صوته في الجنة. أقرأ أحاديثه، كلما أشتقت له. أمر بقلبي على “قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله”..ويأخذني قلبي لشعور الفقد بأني حُرمت من أن يكون هو من يفتيني في أمري بعلم. أسمع “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ” وأسأل نفسي، إن كان وجودك في قلبي وعملي يكفي. أسمع قوله: “خيركم خيركم ﻷهله، وأنا خيركم ﻷهلي”..فأشتاق ليوم أكون فيه في أهلك، وأراك.

..

وعندما يصلني شيء عن صحابتك، لا أرى إلا محبتهم لك. فبينما أنا أقرأ عن أقرب الناس إليك من الرجال، أبو بكر – رضي الله عنه – لم يشغل بالي إلا هذا السر في قلبه من اشتياقه لك بعد وفاتك، بل وحتى في حياتك. شعرب باﻵسى بابتلاء الله له بأن يعيش يوم بعدك. كنت  أتدبر في ما حدث بعد وفاتك، فتذكرت أن السيدة فاطمة هي أول من لحقت بك، فأول ما شغل قلبي كان سيدنا علي، كيف وجد هذا الفقد؟

ثم أني أحب أنس بن مالك، ﻷنه رُزق اﻷُنس بك، رزق خدمتك، رزق أن يراك بعين الفطرة وعين الطفولة كذلك. أرى فيه نفسي، فكم كنت أود أن أكون “أنس” لك.

وأقرأ عن مراسم زواج السيدة فاطمة، فأراك يومها وأشعر أني حُرمت من حضور هذا. ياليتها صديقتي، يا ليتني أعينها، يا ليتني صديقة تحكي لي وأسألها أنا كذلك عن كل شيء. وأرى نفسي مرة أخرى في السيدة عائشة، وأود لو كنت هي. فما بين أنس وعائشة تدور أحلامي لهذا الزمان.

أقرأ “إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ”..فأشتاق لها. وأرى سيدنا عثمان الغائب عنها لمرض ابنتك، وأرى كيف أن غيابه لم يكن غياب، لعل غيابي مثله. وفي غزو أحد، حينما حل البلاء، رأيتهم جميعا..رأيت كل ما حدث، ووقفت ﻷثني ورائك وأبتهل لله. فحينما ذهبت إلى هناك، تذكرت كل شيء عرفته عن هذا اليوم، وكأنني كنت معكم، ولعلني كنت هناك.

أما قولك: “يا معاذُ إنِّي واللهِ لأُحِبُّك”، فوددت وقتها لو أن لي ابن اسمه معاذ ليسمع اسمه بصوتك ويشمله بلطف الله محبتك هذه.

ثم أشعر بالاشتياق للفتى، وما أدراك من الفتى. قالوها له تحقيرا وهي والله تعظيما له. فهو الفتى بقوته وفطنته وصدق حديثه. وسبحان من جعل له لسان صدق عندي، يعجز اللسان عن وصفه، فهو فتى اﻷحلام. وددت لو سيرته بين يدي، ولكن رحمة الله أني لم أعرف عنه إلا اليسير، وإلا فقد أفتتن بجمال ذكره وبحسن روحه. ولا عجب من عجبي من كماله البشري، فهو من أتخذه الله خليلا مع رسول الله محمد. وأكرر دعائي بأن أكون من أهله يوم القيامة. وددت والله لو لي صديق مثله، وإن كنت أعتبره صديقي ههنا. وأتفقد خصاله بين الناس، فإن وجدت خصلة واحدة من خصاله في أحدهم، أصبح له قدره عندي وتذكرته وسألت الله أن يبلغه سلامي.

وأود لو كنت صبي له أعينه في سفره من أور بعد الخذلان، ولكن لعل سارة كانت هناك..ولعل سارة كانت سارة القلب كما هي لي. أود لو أراها، وأتذكر معها كل ما كان..أود أن أعرف ما كان، كيف كانت تراه. وأود لو بلغت ﻷسماعيل وإسحاق منزلة اﻷخوة. وودت لو أن يوسف، يعلم أني كنت أراه وهو في البئر. وودت لو أن موسى، يعلم أني كنت هو حينما قتل نفسا ولولا رحمة ربنا لما فتنا فتنة بعد أخرى، ولولا أن بلغني الله بحاله لما تصبرت بحاله. وكنت معه عند “لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى”..فأبحث عن الهدى بين يدي رحمة الله في ذكر نبيه. وكل ما مر به في قلبي كالقبس ولعل اللي يجمعني به على خير. وأتعلق بأمك، التي أصبح فؤادها فارغا، فأرى في فراغه صبر لكل أمر أقل من فراقك وظلم المستكبرين. أما عيسى – سلام الله عليه وعلى أمه الحبيبة – فأتعلق به تعلق من رأى فيه الرحمة..فهو من نداها ليقول لها ألا تحزن…فإني قد بكيت من قبل معها وهي تقول يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا..لا يا مريم، يا صديقة، لو متِ قبل هذا لكنت حُرمت منكِ..فلم يوقف بكائنا إلا نداء من تمني لقائه في الدنيا ممكن.

أما نوح، فسلام على نوح. فهو للقلب قلب، وللعين عين والروح تتمنى لو كانت هناك ليشملها لطف الله في قوله “وما آمن معه إلا قليل”، يا ليتني آمنت معه، يا ليتني كنت هناك. بكيت. أتمنى لو أملك أقل القليل من صبر سيدنا نوح، فلم أرى مثل صبره من قبل. وأدعو الله أن يعوضه يوم القيامة بأن تكون أمة محمد ممن آمن معه.

وكذلك أصبح فؤادي مستقر الحب والاشتياق لكم ولذكركم، حتى أصبح في قلبي صلة بكل من آمن بالله. أرى في وجه كل مؤمن، سر وقصة..وأدعو الله أن يجمعني بكل من أحب في جنة النعيم. فأقرأ وأتعلق ب “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” ..وأحن لكل هين لين قريب سهل، وأشتاق لكل من عرفت فيه الصدق ممن قابلت وممن لم أقابل في حياتي الدنيا ولكن سمعت عنه بقصص أو بين ورقات كتاب.

ولعل كل هذا من وعده سبحانه:  “وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا”…

وحينها أخاف، أخاف من أن لا ألقاهم بعد طول المحبة والاشياق، أخاف من أن لا أطيع الله ورسوله، فلا أكون ممن أنعم الله عليهم في اﻵخرة، وكل أموره رحمة بي. وأسأل الله في كل حين، بأني وإن كنت قد حرمت من رفقتهم ههنا، فلا يحرمني من رفقة الصالحين ومن يحب في الدنيا ولا يحرمني من رفقتهم في اﻵخرة. وأن يجعلنا مثلهم. فكل شيء حولي يذكرني بهم، وما كنت في شيء إلا تمنيت أن يكون أحدهم معي أو أكون أنا معه، وأجد في رفقة تذكرهم غنى عن كل ما أختلف عن جمال خصالهم من أهل زماني. فلا أرى اﻷكثرية إلا بهم، ولا أرى الخير إلا بهم ولا الحسن إلا بهم..فمالي ومال الناس، أن كانوا هم الصحبة وهو اﻷكثرية في قلبي؟

وأشهد الله، أني ما أحببتهم إلا لمحبتهم لك، ولصدقهم بين يديك، وﻷنك خلقتهم وﻷنهم عبيدك ومنهم عباد الرحمن ومنهم من رحمت ومنهم من رضيت عنه ومنهم من سترت ومنهم من أنت به أعلم مني.

فاللهم بلغ سلامنا ﻷحبتنا وأجمعنا بهم على خير.

سلام على أهل الحمى حيث ما حلوا
هنيئاً لهم يـا حبذا ما بهم حلوا

لهم أظهـر المولى شموس بهـائـه
فيا ليت خدي في التراب لهم نعل

متى يا عريب الحي يأتي بشيركم
فتبتهج الدنيـا ويجتمع الشمل

صلـوني على ما بي فإني لوصلكم
إذا لم أكـن أهلاً فأنتم له أهلٌ

سلام عليكم شرف الله قدركم
ودامت عليكم نعمة وسرورها

فمـا طـابت الأيام إلا بذكركم
فأنتم ضيـاءُ العين حقا ونورها

إذا نـظرت عيني وجـوه أحبتي
فتلك صلاتي في الليال الرغائب

وجه إذا ما أسفرت عن جمالهـا
أضاءت لها الأكوان من كل جانب

 – ديوان عبد السلام بن أحمد جسوس الفاسي

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s